2026-07-12 9:12 م
إدارة الموقع
2026-07-12 9:12 م
الأسرة والمجتمع

فن التغافل في التربية

نقلا عن/م. عماد حجازي

في فن التربية يُحكى في التراث الإسلامي أن امرأة سألت العالم الجليل “حاتم الأصم” عن مسألة، وفي غفلة منها صدر منها صوت محرج، بذكاء وحكمة وسرعة بديهة، طلب منها حاتم أن ترفع صوتها موهماً إياها أنه فاقد للسمع، ففرحت المرأة وزال حرجها، ومنذ ذلك اليوم لُقب بـ “حاتم الأصم”.

هذا الموقف يجسد خُلق التغافل، وهو من أرفع الآداب الإنسانية. ولكن، كيف يمكننا تحويل هذا الخُلق النبيل إلى مهارة تربوية فعالة يستخدمها الآباء والأمهات لنزع فتيل الأزمات اليومية وإدارة سلوكيات الأطفال بذكاء؟

  فن التغافل في التربية 

التغافل ليس ضعفاً أو غباءً، بل هو قرار واعٍ بغض الطرف عن الهفوات الصغيرة، وعدم تتبع الزلات، والترفع عن صغائر الأمور بدلاً من التركيز على اصطياد السلبيات.
وقد أدرك الحكماء والعلماء عبر التاريخ قيمة هذه المهارة، ومن أبرز أقوالهم:

  • الإمام أحمد بن حنبل: “تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل”.
  • الإمام الشافعي: “الكَيِّس العاقل؛ هو الفَطِن المتغافل”.
  • الحسن البصري: “ما استقصى كريمٌ قط”.
  • معاوية بن أبي سفيان: “العقل ثلثه فطنة وثلثاه تغافل”.
  • وحتى في القرآن الكريم، نجد إشارة واضحة لهذا النهج في تعامل النبي ﷺ مع بعض أخطاء زوجاته، حيث قال تعالى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) [التحريم: 3].

 لماذا نحتاج إلى التغافل في تربية الأبناء؟

إن تطبيق مهارة التغافل في المنزل ليس رفاهية، بل هو ضرورة تربوية ملحة للأسباب التالية:

  • طبيعة مرحلة الطفولة: الأطفال بطبيعتهم يكتشفون العالم ويختبرون قدراتهم، مما يجعل الوقوع في الخطأ أمراً حتمياً. المربي الذي يتصيد كل زلة سيُرهق نفسه ويُدمر نفسية طفله.
  • التطور الجسدي والحركي: الكثير من الحوادث المنزلية (مثل إسقاط كوب أو التعثر) تحدث دون قصد. في بعض مراحل النمو، تنمو أجزاء من جسم الطفل أسرع من غيرها، مما يسبب خللاً مؤقتاً في التآزر الحركي. هنا يكون التغافل تفهماً لبيولوجية الطفل.
  • حماية الثقة بالنفس: الانتقاد المستمر لكل شاردة وواردة يُفقد الطفل ثقته بنفسه، ويجعله يميل إلى العزلة والانطواء خوفاً من التعليقات السلبية، مما يقتل روح المبادرة لديه.
  • طوق النجاة مع المراهقين: إذا كان التغافل مهماً مع الأطفال، فهو ضرورة قصوى مع المراهقين؛ نظراً لطبيعة المرحلة التي تتسم بالحساسية المفرطة والتقلبات المزاجية الحادة.

 5 فوائد مذهلة للتغافل التربوي

  1. اعتماد سياسة “غض الطرف” بذكاء يعود على الأسرة بفوائد عظيمة، منها:
    مساحة للتفكير: يمنحك وقتاً لتقييم الموقف بهدوء بدلاً من الانفعال اللحظي الذي قد يزيد المشكلة تعقيداً.
  2. فرصة للتصحيح الذاتي: يعطي الابن مساحة لمراجعة نفسه وإصلاح خطئه دون الشعور بالإهانة.
  3. تعزيز الاحترام: الطفل يُقدر جداً الوالد الذي يحفظ كرامته ولا يحرجه، مما يزيد من رصيد المحبة والاحترام.
  4. بيئة خالية من التوتر: يحول المنزل من “محكمة” إلى “سكن” آمن، بعيداً عن التربص والمشاحنات.
  5. التركيز على الإيجابيات: يوفر طاقتك لتعزيز السلوكيات الجيدة وتبني لغة التشجيع بدلاً من لغة التوبيخ.

احذر: الفرق بين التغافل الذكي والإهمال المضر

لكي يكون التغافل أداة فعالة، يجب أن نُفرق بينه وبين الغفلة أو الإهمال. يتميز التغافل الإيجابي (المطلوب) بأنه قرار واعٍ ومقصود بتجاهل الخطأ مؤقتاً بهدف الحفاظ على العلاقة وإعطاء الطفل فرصة للتصحيح، ويُستخدم عادة مع الهفوات البسيطة وغير المقصودة، مما يبني الثقة ويحافظ على الصحة النفسية للطفل. أما الغفلة أو الإهمال (المرفوض) فهو ناتج عن عدم انتباه أو جهل بما يفعله الطفل، أو للهروب من المسؤولية التربوية حيث يتجاهل المربي كل شيء حتى الأخطاء الكارثية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تمادي الطفل في السلوك السيء.

قاعدة ذهبية: تجاهل السلوك الخاطئ (لبعض الوقت) ولكن لا تتجاهل الطفل نفسه. وعندما يتعلق الأمر بانتهاك حدود الله أو التعدي على حقوق الآخرين وأذيتهم، هنا يجب أن يتوقف التغافل ونتدخل بحزم وحكمة.

خلاصة القول
أيها الآباء والأمهات؛ إن اكتساب مهارة التغافل يحتاج إلى تدريب مستمر وصبر ومجاهدة للنفس. عندما تنجحون في ذلك، ستلاحظون كيف تعم السكينة أرجاء المنزل. فما بين أب يكظم غيظه بحكمة، وطفل يمارس حقه الطبيعي في الخطأ والتعلم بأمان، تُبنى شخصيات سوية وناجحة.
فلنرتَقِ في تربيتنا، ولنتغافل، ولنتجاوز؛ فكم من أزمة عاصفة ماتت في مهدها بفضل “تغافل” حكيم!

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى