التيسير مفتاح البركة وبناء البيوت المطمئنة
في زحمة الحياة، وتصاعد وتيرة المتطلبات المادية التي أثقلت كواهل الناس، تبرز الحاجة الماسة إلى العودة للأصول الصافية والمبادئ العظيمة التي أرساها القرآن الكريم ومن أعظم هذه المبادئ، مبدأ التيسير ورفع المشقة، والذي تجلى بأبهى صوره في قوله تعالى على لسان نبيه شُعيب عليه السلام، وهو يخاطب موسى عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ هذه الآية الكريمة ليست مجرد كلمات قيلت في قصة غابرة، بل هي دستور حياة، وقاعدة ذهبية تقيم ميزاناً عادلاً في التعاملات الإنسانية والحقوق، وتؤسس لقاعدة أصيلة مفادها: “ما دخل التيسير بيتاً إلا وسعته البركة، وما دخل التكلّف أمراً إلا نزع من روحه المودة والرحمة”.
المبدأ القرآني: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بركة التيسير
جاءت هذه الكلمات العظيمة في سياق عرض الزواج؛ حيث أدرك النبي شُعيب عليه السلام، بحكمته وفطرته السليمة، أن بناء أسرة جديدة يتطلب بيئة قائمة على الرحمة والتسهيل، لا على التعقيد والإرهاق. لقد وضع هذا المبدأ ليؤسس لعلاقة متينة تبدأ بالرحمة، وتنتهي بالسكن والمودة.
ورغم أن الآية نزلت في سياق الزواج، إلا أن ظلالها تمتد لتشمل كافة أبواب الحياة؛ ففي التجارة، والتعليم، والإدارة، والعلاقات الاجتماعية، يظل التيسير هو الميزان الذي يضمن استدامة الود ونماء البركة.
الزواج: سكن للأرواح لا ساحة للإنهاك
حين شرع الله الزواج، جعله آية من آياته، ومحطة لتسكن إليها النفوس، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. لم يُرد الله تعالى لهذا الميثاق الغليظ أن يكون ساحة للإنهاك المادي والمعنوي، ولا طريقاً تُكسر فيه النفوس قبل أن تبدأ رحلتها.
في عصرنا الحالي، تحوّل الزواج للأسف عند البعض إلى بابٍ يقف أمامه الصادقون عاجزين؛ لا لقلة ذات اليد فحسب، بل لأن المجتمع أثقله بقيودٍ وأعرافٍ ومظاهر لم يُنزل الله بها من سلطان. لقد أصبح التفاخر والمغالاة حاجزاً منيعاً يحول دون تحقيق العفاف والستر.
ضحايا غياب التيسير
إن غياب مبدأ التيسير في مجتمعاتنا خلّف وراءه آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة، يمكن تلخيصها في مشهدين متكررين:
الشاب الصادق المنهك: كم من شابٍّ يحمل بين ضلوعه قلباً صادقاً، ورغبةً حقيقية في العفاف، ونيةً طيبة لبناء بيتٍ مسلم قائم على تقوى من الله، ثم يعود أدراجه منكسر الخاطر! هو لا يتراجع لعجزه عن تحمل مسؤولية القوامة، بل لأن الطريق فُخخ بما يشقّ عليه ويُرهقه، من مهور خيالية، وحفلات باهظة، وشروط تعجيزية تؤخر قدوم الخير.
الفتاة الصابرة المنتظرة: وفي المقابل، كم من فتاةٍ طال انتظارها في بيت أهلها، لا لقلة الخُطّاب أو انعدام من يطرق الباب، ولكن لأن “أبواب التيسير” قد أُغلقت عمداً، وحلّ مكانها هوس التفاخر بالمظاهر الزائفة. هذه المغالاة لا ترفع من شأن الفتاة كما يظن البعض، بل لا تزيد القلوب إلا تعباً وحسرة.
حقيقة البناء: الصدق والتقوى لا كثرة الأموال
إن الأساس المتين لأي زواج ناجح لا يكمن في كثرة ما يُدفع من أموال، ولا في زينة البدايات التي سرعان ما تنطفئ، بل يثبت بصدق ما يُنوى، وبما يُرزق فيه الزوجان من مودة ورحمة.
الأرقام والمظاهر قد تبني قصراً، لكنها لا تبني “سكناً”. الأسرة المتماسكة تُبنى على التفاهم، والاحترام المتبادل، ومخافة الله في السر والعلن.
رسالة إلى كل وليّ
إن دور الولي ليس التفاوض على صفقة تجارية، بل هو مؤتمن على اختيار الرجل الصالح، وتسهيل طريق الحلال. عندما يتبنى الولي هذا المبدأ، فإنه:
- يكون عوناً على العفاف لا حاجزاً دونه.
- يُسهم في ستر نفسين وبناء جيل جديد.
- يقي المجتمع من شرور العنوسة والانحراف.
- يضمن لابنته زوجاً يحفظ لها الجميل، لأنه دخل البيت من باب التيسير والرحمة، لا من باب الاستنزاف المادي.
إن العودة إلى منهج الله في التيسير هي صمام الأمان لمجتمعاتنا. فالتكلّف والتصنع والمغالاة قيودٌ تخنق أجمل ما في العلاقات الإنسانية. لنجعل من ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ شعاراً في بيوتنا وتعاملاتنا، ولنتذكر دائماً القاعدة التي لا تتخلف: ما دخل التيسير بيتاً إلا وسعته البركة، وما دخل التكلف أمراً إلا نزع من روحه المودة والرحمة.