فتنة تناقل الأحاديث والكلام … آفة تهدم المجتمعات
الكلمة في الإسلام ليست مجرد حروف تُنطق وتتلاشى في الهواء، بل هي ميثاق غليظ ومسؤولية كبرى، فبكلمة قد يُبنى بيت، وبكلمة قد تُهدم أمم وفي عصرنا الحالي، حيث تداخلت العلاقات وسهُل التواصل، برزت ظاهرة خطيرة باتت تهدد نسيجنا الاجتماعي، وهي فتنة تناقل الأحداث ونقل الكلام بين الناس بحيث تزيد الاقاويل وياخذ الحدث أكبر من حجمه بل وينقل بطريقة مغايرة للواقع.
هذه الظاهرة التي تبدو للبعض مجرد “تسلية” أو “فضفضة”، هي في حقيقتها معول هدم صامت يمزق العلاقات، ويدمر المجتمع ويقطع الأرحام، ويزرع بذور الشقاق. وقد حذرنا ديننا الحنيف من هذه الآفة بشدة، واعتبر نقل الكلام بقصد الإفساد (النميمة) من كبائر الذنوب التي تحرم صاحبها من نعيم الجنة ونقله بقصد إثارة الفتنة وإلباس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق ذنب لا يغفر.
المفاهيم والتحذيرات الشرعية في حفظ اللسان والكلمة
وضع الإسلام سياجاً منيعاً لحماية المجتمع من الآفات اللسانية، وأسس قواعد صارمة لضبط ما يصدر عن الإنسان وما يستقبله من أخبار.
- “القتّات”..
القتات أو النمام، هو ذلك الشخص الذي يسعى بين الناس بنقل الأحاديث على وجه الإفساد، وإشعال نار الخصومات بين المتحابين. إنه يسرق استقرار القلوب ويزرع بدلاً منه الشك والقطيعة. ولفظاعة هذا الجرم، ورد التحذير النبوي الشديد والواضح في الحديث المتفق عليه، حيث قال رسول الله ﷺ:”لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ”.
وهذا الوعيد الشديد يدل على أن نقل الكلام للإفساد أو الفتنة ليس زلة لسان بسيطة، بل هو جريمة أخلاقية واجتماعية تتنافى مع صفاء العقيدة وسلامة الصدر.
- وجوب التثبت والتبين عند سماع الأخبار
من أعظم القواعد التي أرساها القرآن الكريم للحفاظ على استقرار المجتمع هي قاعدة “التثبت”. فكم من بيوت هُدمت، وعلاقات قُطعت بناءً على شائعات باطلة وأخبار لم يُتحرَّ صدقها. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. هذه الآية الكريمة تضع منهجاً إعلامياً واجتماعياً متكاملاً؛ فلا يجوز للإنسان أن يكون “أذناً” لكل ما يقال، بل يجب إعمال العقل والتحري، لضمان عدم الوقوع في ظلم الآخرين، وتجنب الندم حين لا ينفع الندم.
- حفظ اللسان والرقابة الذاتية
السكوت عن تناقل ما يُسمع هو طوق النجاة الذي يحفظ المجتمعات من الأحقاد. فالإنسان محاسب عن كل نَفَس وكل كلمة يتفوه بها. وقد جسد القرآن الكريم هذه المراقبة الدقيقة في قوله تعالى:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
إن إدراك المسلم بأن ملائكة الرحمن يكتبون كلماته، يجعله يفكر ألف مرة قبل أن ينقل حديثاً قد يكسر قلباً أو يشوه سمعة.
أضرار تناقل الكلام على الفرد والمجتمع
إن الاستهانة بتناقل الكلام تولّد عواقب كارثية لا تتوقف عند حد الأفراد، بل تتسع لتشمل المجتمع بأسره، ومن أبرز هذه الأضرار:
إثارة العداوات وقطع الأرحام: الكلمة عندما تُنقل من شخص لآخر، غالباً ما تُفقد سياقها ونبرتها الأصلية. قد تُنقل مزحة على أنها إهانة، أو يُنقل عتاب محب على أنه حقد دفين. هذا النقل المشوه يؤدي إلى خلق فجوة ووحشة بين الأصدقاء، ويكون سبباً رئيسياً في قطيعة الأرحام التي أمر الله بها أن توصل.
انتهاك الأعراض والتشهير: نقل الكلام لا يأتي فرادى، بل يترافق غالباً مع آفات أخرى كالغيبة، والنميمة، والبهتان. الخوض في أحاديث الناس يعني بالضرورة انتهاكاً لأعراضهم، وتشهيراً بهم بغير حق، وهو ما نهى عنه الإسلام وتوعد فاعله بأشد العقوبات.
تشويه الحقائق ونشر الشائعات:مع كثرة تناقل الأخبار واعتماد مبدأ (قالوا، وسمعنا) دون بينة، تُحرف الوقائع وتُطمس الحقائق. هذا المناخ المليء بالقيل والقال بيئة خصبة لانتشار الشائعات التي تهز استقرار المجتمعات، وتفقد الناس الثقة في بعضهم البعض.
كيف نتعامل مع ناقل الكلام؟
للقضاء على هذه الفتنة، يجب أن نقطع الطريق على “القتّات”. إذا جاءك شخص ينقل لك كلاماً سيئاً قاله عنك أحدهم، فعليك اتباع خطوات الحكماء:
- لا تصدقه: لأن ناقل الكلام الفاسد ساقط العدالة.
- انصحه بلطف: وازجره عن هذا الفعل القبيح وذكره بالله.
- لا تظن بأخيك الغائب سوءاً: فالأصل في المسلم السلامة.
- لا تتجسس: لا تذهب للبحث والتحقق بطريقة تزيد من المشكلة وتفتح باباً للتجسس المحرم.
إن المجتمع المسلم هو مجتمع بُني على التراحم، وحسن الظن، والتغافل عن الزلات. وفتنة تناقل الأحاديث والكلام هي خنجر مسموم يُغرس في ظهر هذا التلاحم. لذا، كان لزاماً علينا جميعاً أن نعيد تقييم ما نتفوه به، وأن نجعل أفواهنا مغاليق للشر، مفاتيح للخير. لنجعل من أنفسنا محطات تتوقف عندها الكلمات السيئة ولا تتجاوزها، ولنتذكر دائماً أن من صمت نجا، وأن سلامة الصدر تبدأ من حفظ اللسان.

