2026-08-03 1:13 ص
إدارة الموقع
2026-08-03 1:13 ص
المرأة والطفل

تناقضات النظرة لعمل المرأة .. بين إنصاف الدين وإجحاف العادات

رغم التقدم الكبير الذي شهده العالم في مختلف المجالات، الإ أن النظرة المجتمعية لعمل المرأة وتقلدها المناصب الإدارية والسياسية في العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية تتسم بالدونية والتوجس. هذا الموقف يثير استغراباً عميقاً عندما نضعه في ميزان الشريعة الإسلامية التي كفلت للمرأة حقوقها كاملة، وعندما نقارنه بالواقع الميداني، خاصة في الأرياف، حيث تُستنزف طاقات المرأة في أعمال شاقة دون أجر أو تقدير.

لفهم هذه المفارقة، يجب تفكيك العوامل الثقافية والاجتماعية التي تغلبت على النصوص الدينية والمنطق الإنساني.

الفجوة بين الشريعة الإسلامية والتقاليد المجتمعية

أرسى الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً مبادئ واضحة تكفل للمرأة استقلاليتها وكرامتها. لقد منحها الإسلام **ذمة مالية مستقلة، فلها حق التملك، والبيع، والشراء، وإدارة أموالها بنفسها دون وصاية.

النماذج التاريخية:

  1. السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كانت سيدة أعمال ناجحة تدير قوافل التجارة.
  2.  “الشفاء بنت عبد الله” كانت طبيبة مشهورة بمداواة الأمراض الجلدية في العصر النبوي وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدمها في الرأي، ويقال في حديث إسناده ضعيف بأنها تقلدت منصباً إدارياً هاماً يتمثل في “الحسبة” أو الرقابة على الأسواق، وهو ما يعادل منصباً وزارياً أو رقابياً في عصرنا الحالي.

التهميش الثقافي: على الرغم من هذه الجذور المضيئة، طغت العادات والتقاليد القبلية والأعراف المجتمعية بمرور الزمن على التعاليم الدينية. أصبح المجتمع ينظر إلى خروج المرأة للعمل، خاصة في مراكز القيادة والسياسة، كتهديد لـ “القوامة” بمفهومها المشوه، واعتبر أن مكانها الوحيد هو المنزل، متجاهلاً أن الإسلام لم يحرمها من المشاركة في بناء مجتمعها.

مفارقة الأجر: العمل الشاق مقبول متى كان مجانياً

تبرز أقوى تجليات هذا التناقض المجتمعي في الموقف من طبيعة عمل المرأة؛ فالمجتمع الذي يرفض عملها بأجر في مكتب مكيف، هو ذاته الذي يقبل، بل ويشجع، عملها المضني بدون أجر.

يبدو هذا التناقض جلياً في المناطق الريفية، حيث تتحمل المرأة أعباءً تفوق قدرة الكثير من الرجال:

  •  العمل الزراعي: الزراعة، الحصاد، والعناية بالأرض.
  •  الرعي وتربية الماشية: مهام يومية تتطلب جهداً بدنياً كبيراً.
  •  المهام الشاقة: جلب الحطب، ونقل المياه من مسافات بعيدة على الرأس أو الظهر.

لماذا يُقبل هذا العمل ويُرفض ذاك؟

السر يكمن في “السلطة والاستقلال” وليس في “الجهد والتعب”.

العمل الريفي الشاق هو عمل غير مأجور، يصب في مصلحة الأسرة تحت إدارة الرجل (الأب أو الزوج)، ولا يمنح المرأة أي استقلالية مالية أو سلطة قرار. هو عمل يُبقيها في دائرة التبعية.

أما العمل الوظيفي أو القيادي (بأجر)، فهو يمنحها استقلالاً مادياً، ومكانة اجتماعية، وقدرة على اتخاذ القرار. هذا الاستقلال هو ما يخشاه العقل الجمعي الذكوري، لأنه يعيد تشكيل موازين القوى داخل الأسرة والمجتمع.

الجذور الكامنة وراء النظرة الدونية لعمل المرأة 

يمكن تلخيص الأسباب التي تدفع البعض للتمسك بهذه النظرة المتناقضة في النقاط التالية:

  •  الخوف من فقدان السيطرة: الاستقلال المالي للمرأة يمنحها حرية الاختيار ويقلل من ارتهانها المطلق للرجل، وهو ما يراه البعض تهديداً لسلطتهم الأبوية.
  •  احتكار الفضاء العام: تاريخياً، تم احتكار السياسة والإدارة (الفضاء العام) من قبل الرجال، بينما حُصرت المرأة في الفضاء الخاص (المنزل). خروج المرأة للقيادة يُنظر إليه كـ “تعدٍّ” على مساحة ذكورية خالصة.
  •  التوظيف الانتقائي للدين: يلجأ البعض إلى تفسيرات سطحية أو اقتطاع النصوص الدينية من سياقها لتبرير عادات بالية، متجاهلين المقاصد الكبرى للشريعة التي تدعو للعدل والمساواة في الكرامة الإنسانية.
  •  الموروث الثقافي (العيب): في كثير من الأحيان، لا يكون الرفض مبنياً على قناعة دينية أو عقلية، بل على الخوف من نظرة المجتمع وكلام الناس (ثقافة العيب).

 خلاصة

إن النظرة الدونية لعمل المرأة المأجور وتقلدها المناصب القيادية ليست من الدين في شيء، بل هي نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية تخلط بين الشريعة والقبيلة، وبين الدين والعادة. المجتمع الذي يرضى لنسائه أن تُكسر ظهورهن في الحقول وجلب المياه مجاناً، ويستكثر عليهن كرسياً إدارياً واستقلالاً مالياً، هو مجتمع يعاني من خلل في معايير العدالة والمنطق.

إن النهوض بمجتمعاتنا يتطلب عودة حقيقية لروح الدين الذي كرّم المرأة واستأمنها، ويتطلب شجاعة للاعتراف بأن قدرة المرأة على الإدارة والسياسة والبناء لا تقل كفاءة عن قدرتها على تحمل الصعاب في الحقول والمنازل.

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى