2026-09-27 1:26 ص
إدارة الموقع
2026-09-27 1:26 ص
هدى للمتقين

من هم خير الناس في أزمنة الفتن؟

جاءت السنة النبوية المطهرة بتوجيهات حكيمة ترسم للمسلم طريق النجاة في أزمنة الالتباس واضطراب الأمور، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، والنسائي، والدارمي في سننهم، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والطبراني في المعجم الكبير، بكلمات متقاربة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيرُ الناس في الفتن رجلٌ آخذٌ بعِنان فرسِه خلف أعداء الله يخيفهم ويخيفونه، أو رجل معتزلٌ في بادية يؤدي حق الله الذي عليه)؛ وقد قال الحاكم عن هذا الحديث: “على شرط الشيخين”، ووافقه الإمام الذهبي، كما صححه الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة”.

كما ورد الحديث بلفظ آخر: (ألا أخبركم بخير الناس منزلةً؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (رجلٌ آخذٌ بعِنان فرسِه في سبيل الله يُقتل أو يموت، ألا أخبركم بالذي يليه؟ رجل معتزل في شِعْبٍ يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويشهد أن لا إله إلا الله)، وهو من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم عند الإمام أحمد وغيره.

صنفان هما خير الناس في أزمنة الفتن

بناءً على التوجيه النبوي، ينقسم خير الناس في الفتن إلى صنفين أساسيين:

  •  المرابط المدافع عن ثغور الإسلام

هو رجل آخذ بعنان فرسه — وربما يكون في عصرنا الحديث ممسكاً برأس قلمه — يتربص بأعداء الله؛ يخيفهم ويخيفونه، يدفعهم عن ديار المسلمين، ويمنعهم من المساس بالمقدسات حتى يَقتُل أو يُقتَل. أو أنه يفضح مخططاتهم بفكره وقلمه، ويكشف حقائقهم لعامة المسلمين، فيرد شبهاتهم وأباطيلهم ويغزوهم في عقر أفكارهم وعقائدهم.

وميزة هذا الرجل أنه لا يوجه سيفه أو لسانه إلا إلى كافر أو خارج عن دائرة الإيمان، ولا يشتجر في زماننا مع صاحب قضية إسلامية.

  •  المعتزل المعتصم بالعبادة

هو رجل اختار الاعتزال عن كل مخالطة يخشى منها على دينه الفتنة والهلاك، لاسيما عند التباس الأمور. فيقبل على عبادة ربه بينه وبين نفسه، بعدما رأى في نفسه عجزاً عن مقارعة غير المسلمين في ميدان الصراع الفكري أو العسكري الواسع، فآثر التقرب إلى الله بأعمال خالية من الشبهات والالتباس.

إن هذين الرجلين هما خير الناس في الفتن بشهادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد قدما جانب السلامة خوفاً من وقوع الندامة والملامة لاحقاً، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إيّاك وكلَّ أمر يُعتذر منه) [رواه الضياء عن أنس، وحسنه ابن حجر والألباني في صحيح الجامع].

الورع واجتناب المشتبهات

إن ما يدفع المسلم لإيثار السلامة هو متانة دينه وشدة ورعه؛ فالله عز وجل لم يتعبدنا بالانغماس في الأمور المشتبهة التي تكون في الغالب مقدمات للفتن والمحن، بل حذرنا منها أشد التحذير، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به) [أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة].

فهذا التحذير النبوي الصريح من الاقتراب من الفتنة وبيان أن الجالس أفضل من القائم والقائم أفضل من الماشي، إنما جاء صيانة للدين؛ كما أن تجنب مواطن الفتن دلالة واضحة على رجاحة العقل ووفور الحلم.

مواقف الصحابة رضي الله عنهم أثناء الفتن

لقد اعتزل فريق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتن التي وقعت بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، لعدم اتضاح وجه الحق لهم فيها؛ وهذا هو الموقوف الواجب والمأمول في واقعنا المعاصر عند اشتباه الأمور. والمقصود ليس اعتزال كل اختلاف أو اشتباه، وإنما تجنب الفتن التي لم يتبين للعاقل وجه الصواب فيها.

وهنا يظهر الفرق بين حالتين:

  •  من يخوض بغير علم ولا بينة: وهو مسلك مذموم ينزلق فيه المغمورون الذين يتطوعون في الفتن بلا دين ولا عقل.
  •  من يفرض عليه مقامه العلمي والدعوي التدخل: وهم أهل المسؤولية الذين يوجب عليهم علمهم ومكانتهم إبداء الموقف والرأي الشرعيين.

ومن هذا المنظور، كان خوض من خاض من الصحابة رضي الله عنهم في الأحداث التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نابعاً من أسبقيتهم في العلم والإيمان، وشعورهم بالمسؤولية تجاه الأمة، مع قطع كل فريق منهم بأنه على الصواب. فهذا هو الظن بأهل العلم والعقل من الصحابة؛ حيث دفعتهم الديانة والاجتهاد إلى اتخاذ موقفهم، فكان دخولهم عن علم وإيمان.

وفي المقابل، كان اعتزال من اعتزل منهم نابعاً من الديانة والورع أيضاً، حيث اشتبهت عليهم النوازل فكفوا أيديهم وآثروا السلامة.

الواجب العملي في الفتن المعاصرة

تظلنا في هذا العصر فتن متتابعة، وتتفاوت مواقفنا تجاهها بتفاوت مستويات الإيمان والعلم والعقول. غير أننا جميعاً مطالبون بتحري السلامة لديننا ودعوتنا، وقد فتح الله لنا أبواباً ومخارج كثيرة من خلال الأعمال الصالحة والمشاريع الدعوية النافعة.

ومما ينبغي معرفته أن لفتن الواقع المعاصر صوراً وأشكالاً متعددة، من أعظمها الخلافات المحتدمة بين أصحاب المناهج الدعوية، وبين الدعاة على وجه الخصوص. والواجب الشرعي يتطلب التحري والتورع قبل الولوج في هذه الصراعات التي يضر اشتعالها بالدين والدعوة.

فإذا لم يتبين للمسلم وجه الحق لاشتباه الأمر عليه، فليصرف جهده إلى عمل صالح لا شبهة فيه ولا خلاف عليه؛ فإما أن يأخذ بعنان فرسه في سبيل الله لمواجهة أعداء الدين الظاهرين، أو يسخر قلمه ولسانه لفضح أعداء الأمة من العلمانيين والمنافقين ورد شبهاتهم وإحباط مخططاتهم، أو يعتزل ذلك كله ويكف شره عن الدعوة والدعاة وينشغل بطاعة ربه، فذلك خير له وللمسلمين.

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى