علَّمَهُ البيان: حين تكون الكلمة نعمةً لا ملكًا
الكلمة ليست مجرد صوتٍ يخرج من الفم، ولا حروفًا تصطف على الورق، بل هي نعمةٌ عظيمةٌ من نعم الله على الإنسان بها يعبّر، وبها يفهم، وبها يطمئن قلبًا، أو يجرح نفسًا، أو يفتح باب خيرٍ لا يُغلق؛ ولذلك جاءت الآية الكريمة: {عَلَّمَهُ البَيَانَ} لتوقظ في النفس معنى عميقًا؛ أن البيان هبةٌ من الله، وأن القدرة على التعبير ليست شيئًا عابرًا، بل فضلٌ يستحق الشكر، وأدبًا يستحق التواضع.
في زمنٍ كثرت فيه الأصوات، صار من السهل أن يظن الإنسان أن الكلمة ملك يده، وأن الفكرة صنيعة عقله وحده، وأن القلم شاهدٌ على تفوقه وحده لكن الحقيقة أوسع من ذلك وأجمل. فالكلمة التي تخرج بصدق، والمعنى الذي يستقر في القلب، والعبارة التي تلمس الأرواح، كلها تبدأ من فضل الله أولًا فهو الذي يفتح باب الفهم، وهو الذي يلهم الخاطر، وهو الذي يهيئ للسان أن ينطق، وللقلم أن يكتب.
البيان نعمة تستحق الشكر
من أدب المؤمن مع نعم الله أن يعرف قدرها فإذا أُوتي البيان، لم يتعامل معه كأنّه استحقاقٌ طبيعي، بل كأمانةٍ ثقيلةٍ جميلة يشكر الله حين تُفتح له أبواب التعبير، ويستعمل هذه النعمة في الخير، ويجعل كلماته جسرًا إلى الهداية، لا أداةً للغرور.
فاللغة قد ترفع صاحبها إذا صدق، وقد تفضحه إذا تكبّر، والكتابة قد تكون نورًا يهدي، وقد تكون غفلةً تُزيّن الباطل لذلك لا يليق بمن أكرمه الله بحسن التعبير أن ينسب الفضل إلى نفسه وحدها، لأن كل معنىٍ حسنٍ مرّ إلى القلب، وكل لفظةٍ صادقةٍ استقرت في السطر، إنما هي أثرٌ من آثار العطاء الإلهي.
الكلمة بين التوفيق والستر
ليس أجمل من أن يعي الإنسان أن بيانه ليس دائمًا دليل كماله، بل كثيرًا ما يكون دليل ستر الله عليه فحين يحسن القول، فذلك توفيق من الله، وحين يصيب المعنى، فذلك فضلٌ منه سبحانه، وحين يكتب ما يلامس الناس، فليس لأنه أقدر من غيره، بل لأن الله سهّل له ما شاء أن يسهل.
وهنا تكمن قيمة التواضع فالمتواضع لا يخدع نفسه ببريق الحروف، ولا يظن أن البلاغة تمنحه منزلة فوق البشر بل يعلم أن البيان إذا لم يُزكِّه الأدب، صار عبئًا عليه، وأن الكلمة إذا لم تلبس ثوب الشكر، فقدت روحها، مهما بدت جميلة في ظاهرها.
حين يسلب الله البيان
ومن أعظم ما يردع النفس أن تتذكر أن الذي وهب البيان قادرٌ على سلبه في لحظة فقد يتحول اللسان إلى صمت، والقلم إلى جماد، والفكرة إلى حبسٍ داخلي لا ينفتح وحينها يعرف الإنسان أن ما كان يظنه ثابتًا لم يكن إلا عاريةً مؤقتة.
هذه الحقيقة وحدها كافية لتكسر العُجب، وتعيد القلب إلى موضعه الصحيح فلا مكان للغرور حين ندرك أن الكلمات لا تُنتزع من الصدر إلا بإذن الله، ولا المعاني تولد من العدم، ولا الفهم يستقيم إلا إذا أراد الله له أن يستقيم.
الأدب مع النعمة: طريق الزيادة
إن شكر النعمة يزيدها، وحسن استخدامها يحفظها، والأدب معها يرفع قدرها ومن شكر نعمة البيان أن يتحدث الإنسان بما ينفع، وأن يكتب ما يصلح، وأن يمتنع عن التفاخر بما أوتي، وأن يجعل صوته وقلمه في خدمة الحق والجمال والخير.
فلا تقل عن نفسك: أنا الذي صنعت هذا البيان بل قل: هذا فضل الله عليّ ولا تغترّ بعبارة أثنى الناس عليها، بل سل الله أن يجعلها خالصة نافعة. ولا تجعل من موهبتك وسيلة تعالٍ على الناس، لأن من شكر نعمة البيان أن تكون رحيمةً لا متكبرة، صادقةً لا متصنعة، ناصحةً لا مزهوة.
البيان الحقيقي لا ينفصل عن الإيمان
قد يملك الإنسان فصاحةً واضحة، لكنه يفتقر إلى روح المعنى وقد يكتب جملاً بديعة، لكنها باردة لا حياة فيها أما البيان الحقيقي فهو الذي يخرج من قلبٍ يعرف الله، ويستحضر نعمته، ويستحيي من فضله. لذلك كان أجمل البيان ما اتصل بالإيمان، وأصدق الكلمة ما خرجت من قلبٍ متواضعٍ خاشع.
فإذا أردت أن تكون كلماتك ذات أثر، فلا تكتفِ بزخرفها، بل زكِّ قلبك قبل قلمك، وطهّر نيتك قبل عبارتك، واجعل غايتك أن تنفع لا أن تُبهر فقط، فكم من كلامٍ جميلٍ مرّ على السمع، ثم سقط من القلب لأنه خالٍ من الصدق وكم من كلمةٍ بسيطةٍ خرجت من قلبٍ صادق، فبقي أثرها في النفس طويلًا.
بين الشكر والرجاء
كن مع نعمة البيان كما يكون السائر على حدّ السيف: لا يطغى به العجب فيسقط، ولا يثنيه الجحود فيتوقف.
امضِ بكلماتك وأنت تعلم أن الفضل ليس لك، وإنما هو لله وحده اشكر إذا فُتحت لك أبواب التعبير، واستعمل ما أُوتيت في الخير، واذكر دائمًا أن الذي علّم الإنسان ما لم يعلم قادرٌ أن يزيده، وقادرٌ أن يمنعه.
فالكلمة نعمة، والبيان فضل، واللسان أمانة، والقلم شهادة ومن أدرك ذلك، عاش بين الخوف والرجاء، وبين التواضع والشكر، حتى تكون عباراته نورًا، ويكون أثره خيرًا، ويظل قلبه موصولًا بمن علّمه البيان.
