الصبر عند الشدائد
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71] أما بعد: فقصة الابتلاء بدأت منذ أن أخرج آدم من الجنة، ومنذ أن نزَلت لا إله إلا الله في الأرض، الابتلاء يميِّز الصادقين من الكاذبين، والمؤمنين من المنافقين، والصابرين من المتسخطين: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]، فلا بُدَّ للمؤمن من ابتلاء، ولا بُدَّ له من تمحيص: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 2، 3]، هكذا قدر الله الابتلاء، وهكذا قضى الله مصائب الدنيا.
الصبر يغير المعادلة
هكذا الدنيا، يموت لك قريب، يمرض ابنك، تصاب في بدنك، تخسر في تجارة، يعاديك قريبك، تجد في عملك ما يسؤوك، تجد جفوة من أقاربك، سئل النبي – صلى الله عليه وسلم –: أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة؛ [الترمذي وابن حبان، وحسنه ابن حجر، وصحَّحه أحمد شاكر]، فلك أسوة في الأنبياء، ولك سنة متبعة في الصبر على البلاء.
إبراهيم – عليه السلام – يلقى في النار، ويبتلى بذبح ابنه، ويسلم لأمر الله ويفديه ربه بذِبح عظيم، يونس – عليه السلام – يُبتلى ببطن الحوت، فتجتمع عليه ثلاث ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، نبي الله يوسف – عليه السلام – تجتمع عليه عدة محن وبلايا، محنة إخوته، ومحنة فراقه لأبيه ووطنه، ومحنة الجُبِّ، ومحنة الرق، ومحنة امرأة العزيز، ومحنة النسوة، ومحنة السجن، ثم الابتلاء بالملك بعد هذا التشريد، وبعض الأنبياء قُتِلوا لأجل دعوتهم، رسولنا – عليه الصلاة والسلام – يقال عنه: ساحر وكاهن ومجنون وكذاب، يُوضع عليه سلا الجزور وهو ساجد، يُدمى كعبيه في الطائف من رمي الحجارة عليه، يُحاصر في الشِّعب هو وقومه حتى أكلوا أوراق الشجر، يُطرد من مكة، يتعرض لمحاولات اغتيال، يُشج رأسه، وتدخل حلقتين من المغفر في وجنته، وتُكسر رباعيته، يُقتل عمُّه حمزة، يُقتل أصحابه، تجتمع الأحزاب لتستأصله هو ومَن آمَن معه، تَغدِره اليهود، يُبتلى بالقذف في عرضه، يُشتم ويُسب ويتهم بالظلم في قسمة الغنائم، يموت أبناؤه الذكور كلهم في حياته، وثلاث من بناته، تموت زوجته خديجة وعمُّه أبو طالب في عام واحد، يربط الحجر على بطنه من الجوع، فهو إمام الصابرين، وقدوة الناس أجمعين – صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر – رضي لله عنه – وعمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد – رضي الله عنهم – فأما النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر، فمنعُهما الله بقومهما، وأما البقية فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد، وصهَروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فضربوه وحبسوه وعذَّبوه، كل ذلك وهو يقول: أحدٌ أحدٌ، فكانت العاقبة شرف في الدنيا وجنة في الآخرة، وقد سئل الشافعي – رحمه الله – أيهما أفضل يمكَّن أم يُبتلى؟ فقال: إنه لا يمكن حتى يُبتلى!
قال الإمام أحمد: ذَكَرَ اللهُ تعالى الصبرَ في تسعين موضعًا من كتابه، قال سليمان بن القاسم: كلُّ عمل يعرف ثوابه إلا الصبر:
- قال الله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].
- ويَهنأُ الصابر بمعية الله له :﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].
- وبمحبة الله له: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]. والصبر طريقه إلى الجنة: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 24].
يقول عليه الصلاة والسلام: (ما يُصيب المؤمن من نصبٍ ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)؛ [البخاري]
انقلاب المحنة إلى منحة
ثم إن الصبر إذا قام به العبد كما ينبغي، انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البليَّةُ عطية، وصار المكروه محبوبًا، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليُهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله عبودية في الضراء كما له عبودية في السراء، وله عبودية فيما يُكْرَه كما له عبودية فيما يُحَبُّ، وفي الحديث: (من يرد الله به خيرًا يُصب منه)؛ [البخاري]، ويقول تعالى في الحديث القدسي: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنة)؛ [البخاري]، وقال الله – جل وعلا – في الحديث القدسي: (إذا ابتُليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة)، يريد عينيه؛ [البخاري]، وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوَرَدْنا القيامة مفاليسَ، ويكفي أن الجنة جزاء الصابرين، وأي جزاء أعظم من ذلك؟ وهل لك مقصد غير الجنة؟ وهل لك مطلب غير الجنة؟ وهل لك أمنية غير الجنة؟
يقول المولى جل وعلا: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، الله تعالى يبتلي العبد ليسمع صوته، يبتلي عبده ليسمع شكواه ودعاءه وتضرعه، ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [الأنعام: 42]، وقد ذمَّ سبحانه من لم يتضرع إليه ويستكن إليه وقت البلاء، فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [المؤمنون: 76]، قيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقال: ربي يرضى ذلَّ العبد إليه، نعم، ارفع شكواك إلى الله وبثَّ همومك إليه، قال الله تعالى عن يعقوب – عليه السلام -: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86].
تذكر ما أسداه الله إليك من النعم لا يقارن بما عندك من البلاء، نعمة الإسلام أولها وأعظمها، سمعُك وبصرُك، جوارحك وفؤادك
يقول عمر رضي الله عنه: وجدنا خيرَ عيشنا بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا، وقال علي رضي الله عنه: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له، وقال الرازي: إذا لم نصبر فماذا نفعل؟ كان ابن عباس في سفر فنُعي إليه أخوه، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45].
عبدَ الله، تذكَّر أن الذي ابتلاك هو الله، والذي قدر عليك هو خالقك وهو أرحم بالعبد من الأم بولدها، واعلم أنك في قبضة أرحم الراحمين، وأنَّ المُلْكَ مُلْكُه، والأمرَ أمرُه، ولا يسأله مخلوقٌ عن علة فعله، قال تعالى: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]، ولذلك كانت دعوة المصاب (إنا لله)، فالجميع ملك لله وتحت تصرفه – جل وعلا – (وإنا إليه راجعون) [البقرة156]، فيتذكر يوم المعاد وأنه صائر إلى ربه، فلماذا السخط وعدم الرضا بالمقدور؟ فإنك لن تجد طعمًا للحياة حتى تؤمن بقضاء الله، وتسلِّم لقَدَره تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: 17]، فمن اطمأنت نفسه لقضاء الله سيعيش هادئ البال ساكن النفس.
فيقول الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف: 110]، كلما اشتد الكرب اعلم أن الفَرَج قد اقترب، فآخر الهم هو أول الفرج، فلن يَغلب عسرٌ يسرين، فلا بد للظلام أن ينقشع، ولا بُدَّ لليل البهيم أن ينجلي، كان ابن شبرمة إذا نزلت به شدة يقول: سحابة ثم تنقشع.
يقول تعالى عن يعقوب – عيه السلام – حين فقد أحب ولده ومع ذلك لم يقنط: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]، هو جل وعلا لم يُغلق بابَه، لم يُسدل حجابَه، لم تنفد خزائنُه، لم ينته فضلُه، كلُّ الحبال تنقطع إلا حبلُه، كلُّ الآمال تخيب إلا فيه، كل الأبواب تُغلق إلا بابه.
الاستعانة بالدعاء للصبر
توج همومك بدعاء الكرب، ودعاء الهم، ودعوة ذي النون، فأما الكرب فقد كان يقول عليه الصلاة والسلام عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم)؛ [البخاري ومسلم]، وكان يقول: (دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسك طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت)؛ [صحيح أبي داود].
وأما دعاء الهم، فحديث ابن مسعود مرفوعًا: (ما أصاب أحدًا قطُّ همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيت به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك – أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذَهاب همي، إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا، فقيل يا رسول الله: ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها)؛ [المسند، وصححه أحمد شاكر].
وأما دعوة ذي النون يونس بن متَّى – عليه السلام – فحديث: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)؛ [الترمذي وصححه الألباني].
حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم – عليه السلام – لَما أُلقي في النار، فنجَّاه الله منها ومن كيد أعدائه، وقالها محمد – صلى الله عليه وسلم – بعد غزوة أحد، فقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران:173-174].