2026-10-06 2:15 ص
إدارة الموقع
2026-10-06 2:15 ص
حضارة وتاريخ

روح القادسية تتجدد: عهد الأجداد ووعد الأحفاد بالنصر

تعد معركة القادسية من المعارك الفاصلة في التاريخ العربي الإسلامي، ومنحت المسلمين نصرًا استراتيجيًا حاسمًا في العراق، ففي 19 من شهر نوفمبر 636م التقى في منطقة القادسية من أرض العراق، الجيشان: العربي الإسلامي بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص، والجيش الفارسي بقيادة (رُستم) أعظم قادة الفُرس.

معركة القادسية فرق العدد والعزيمة 

كان عدد جيش المسلمين ستة وثلاثين ألفًا، منهم ما يقرب من تسعة آلاف من أبناء اليمن، وفيهم ثلاثمائة من الصحابة، منهم بضعة وسبعون من البدريين، بينما كان الجيش الفارسي أكثر من مئة وعشرين ألف مقاتل. استمرت معركة القادسية أربعة أيام، وهي أول معركة يستمر فيها القتال ليلًا ونهارًا.

  • اليوم الأول من المعركة

وقد كانت الغلبة فيها باليوم الأول للفرس، والذين فاجأوا المسلمين بسلاح الفيلة (ثلاثة وثلاثين فيلًا) تحمل فوقها مقاتلين داخل صناديق يرشقون المسلمين بالسهام، فكانت الخيل تفر من الفيلة. وقد كان تركيز الفرس وكتيبة الفيلة في اليوم الأول على قبيلة بجيلة اليمانية، التي كان على رأسها الصحابي جرير بن عبد الله البجلي، وكانوا على ميمنة الجيش، بينما كان يقود الميسرة (قيس بن مكشوح البجلي المرادي). كانت الميمنة والميسرة في معركة القادسية من مهمة فرسان اليمن وفيهم الكثير من قبيلة (النخع) (أبين والبيضاء)، وقد استشهد منهم الكثير في اليوم الأول، وكان المنادي ينادي: “الثبات الثبات يا فرسان اليمن، الثبات الثبات يا جُند الإسلام، الله الله لا يؤتى الإسلام من قِبلكم في هذا اليوم وأنتم أنصار الله ورسوله”، فثبتت الميمنة والميسرة، رغم الهجوم الكاسح والقوي من الفُرس وخاصة على بجيلة في الميمنة، وقد قال الطبري: “إن بأس الناس (قوة الجيش) كان في الجانب الذي فيه بجيلة”.

  • اليوم الثاني من المعركة

مع صمود المسلمين وتضحياتهم في اليوم الأول، وثبات فرسان اليمن وتضحياتهم في الميمنة والميسرة، في وجه الهجوم الفارسي الكاسح والذي أراد إسقاط أحد الجناحين للجيش الإسلامي، جاء اليوم الثاني فتعادلت الكفة مع الفرس، خاصة بعد وصول المدد بقيادة الفارس الشهير (القعقاع بن عمرو التميمي) وكذلك بعد أن تم معرفة نقاط الضعف عند الفيلة، فتم تحييدها بعد ذلك. ومع إشراقة صباح اليوم الرابع بدأت الكفة تميل لصالح المسلمين، وفي منتصف نهار ذلك اليوم المجيد السادس عشر من شهر شعبان من السنة الخامسة عشرة للهجرة، الموافق التاسع عشر من شهر نوفمبر سنة 636م، قُتل القائد (رستم) قائد الجيش الفارسي، فانهار الجيش الفارسي وعبر النهر متراجعًا.

نصر القادسية يليه نصر أعظم

بعد النجاح العظيم الذي حققه المسلمون في معركة القادسية الخالدة، لم يكتفِ القائد الإسلامي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بكسر شوكة الفرس، بل واصل الزحف لنقل الدعوة وتأمين حدود الدولة الإسلامية. وكانت المحطة التالية هي “المدائن” (عاصمة الإمبراطورية الفارسية ومقر كسرى)، والتي شهدت واحدة من أعجب الملاحم العسكرية والإيمانية في تاريخ الفتوحات الإسلامية.

تفاصيل القصة والواقعة التاريخية:

  • حصار العاصمة والمأزق الجغرافي:

وصل جيش المسلمين إلى غربي نهر دجلة لحصار المدائن، وكان النهر يحول بينهم وبين المدينة الرابضة على الضفة الشرقية. أدرك الفرس صعوبة موقفهم، فقاموا بقطع جميع الجسور الخشبية والمبنية، وسحبوا جميع السفن والقوارب إلى ضفتهم، حتى يمنعوا المسلمين من العبور، ظنًا منهم أن المياه الجارفة والأعمق لنهر دجلة ستكون سدًا منيعًا يحميهم.

  •  القرار التاريخي والجرأة الإيمانية:

استمر الحصار حتى اشتدت الحاجة، ورأى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ضرورة الحسم قبل أن يستجمع الفرس قواهم. استشار أصحابه، ثم اتخذ قرارًا شجاعًا غير متوقع في العُرف العسكري: اقتحام نهر دجلة خوضًا بالخيل والإبل!

قام سعد رضي الله عنه وخطب في الجيش قائلًا: “إني قد عزمت على قطع هذا البحر (يقصد النهر) إليهم…”، ثم تقدم وعبر بفرسه وتبعته الكتيبة الأولى (كتيبة الأهوال) بقيادة عاصم بن عمرو التميمي لتأمين الضفة الأخرى.

  •  المشهد الإعجازي وظهور عبارة “ديوان ديوان”:

عندما رأى جيش المسلمين قائدهم يقتحم المياه، كبّروا جميعًا واقتحموا النهر بفرسانهم وراجلتهم. خاض الجيش بأكمله المياه الجارفة حتى امتلأ النهر بالخيل، وُصف المشهد في المراجع التاريخية بأنه كان يبدو وكأنهم يسيرون على أرض يابسة من كثرة طمأنينتهم وذكرهم لله.

ولما نظر الفرس من شرفاتهم وأسوارهم إلى هذا المشهد الذي يخالف كل القوانين العسكرية والطبيعية، استبد بهم الرعب والذهول، ونادوا بلغتهم الفارسية: “ديوان… ديوان!” (أي: مجانين أو شياطين/جن وليسوا إنسًا).

  • سقوط المدائن والفتح:

لم يتحمل الفرس هول الصدمة النفسية والمفاجأة الاستراتيجية، ففروا هاربين يتقدمهم يزدجرد (ملك الفرس)، وتركوا العاصمة وما فيها من كنوز وقصور، ودخل سعد بن أبي وقاص والمسلمون المدائن فاتحين دون قتال يذكر داخل المدينة، وصلى سعد في إيوان كسرى صلاة الفتح ثماني ركعات شكرًا لله.

العبر والدروس المستفادة:
  1.  كسر هيبة العدو بالمفاجأة: إن المبادأة الشجاعة والأساليب غير المتوقعة تكسر الموازين النفسية للخصم وتزرع في قلبه الرعب قبل اللقاء الميداني.
  2.  الجرأة الإيمانية والتوكل: لم يكن عبور النهر تهورًا، بل كان قرارًا مدروسًا قائمًا على ثقة مطلقة بنصر الله وثبات القلوب في أصعب الظروف.
  3.  القيادة بالقدوة: تقدم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه صفوف جنده وكان أول من خاض المخاطرة بنفسه، مما بث الثقة في نفوس الجيش بأكمله.

وعند غروب شمس ذلك اليوم الخالد كانت البداية الفعلية لغروب الإمبراطورية الساسانية التي حكمت لمدة (416) سنة، وكذلك الإمبراطورية الفارسية التي تأسست عام 559 قبل الميلاد، كان غروبها على يد أصحاب سيدنا محمد، وأبناء أصحاب سيدنا محمد، وأتباع سيدنا محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام. وفي شهر صفر من السنة السادسة عشرة للهجرة، كان فتح المدائن عاصمة الفرس ومسكن ملوكهم في أرض العراق، فأرسل سعد بن أبي وقاص الغنائم إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي أخذ يتفقدها ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أخذ الخليفة يقلبها وينظر إلى الأشياء الصغيرة فيها ثم يلتفت إلى علي بن أبي طالب قائلًا: “يا أبا الحسن: قوم حفظوا مثل هذه الأشياء وأرسلوها إلى هنا لا شك أنهم أمناء”، فيجيبه صاحبه علي بن أبي طالب قائلًا: “يا أمير المؤمنين عَفَفْتَ فَعَفُّوا ولو رَتَعْتَ لَرَتَعُوا”. استشهد من المسلمين في معركة القادسية ما يقرب من تسعة آلاف شهيد، وقُتل من الفرس ما يقرب من أربعين ألف قتيل.. رحم الله تلك الأرواح التي ترقد في أرض القادسية منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.

وسلام الله عليكم يوم جاهدتم ويوم استشهدتم ويوم تُبعثون، سلام الله عليكم نبعثها من أرض اليمن حيث يرقد معكم في أرض القادسية الآلاف من أجدادنا، سلام الله عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى