2025-08-31 7:34 ص
إدارة الموقع
2025-08-31 7:34 ص
علماء وأعلام

الشيخ عبد الله سيف الحيدري .. شيخ الدعوة، والفكر، والتربية

علماء وأعلام

العظماء رغم بساطتهم يزخرون بألوان الحضور، وتنوع الإنجازات، وثراء المقاصد، ونبل الأهداف، وسؤدد الغايات.. إنها الهمم العالية، والمقامات السامقة، والدرجات العلى، جميعها وجدت في الشيخ عبد الله سيف الحيدري بغيتها، ها هو ذا أمامك مجددا مسيره يمتد صراطا من المبادئ مستقيما لا يحيد قيد أنملة ؛ قدوة للسالكين، ومنارا للمتوسمين ، فالنور الذي أخلص تعاهدَه ثم حمَّله مَن بَعدَه يحتاج لأمثاله ومستواه: “رِجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه” كالشيخ/ الحيدري، ومن سبقه على العهد، ولحق به في ثبات” ومنهم من ينتظر” وهم كثر؛ لأن منبع النور خالد، ومنهج الدعوة متجدد “وما بدلوا تبديلا”.

هذا الشيخ الحكيم يكاد ينطق من بين الأسطر الآن؛ تسمعه روحك، وتشرأب لنور وجهه كل حواسك؛ خشعت لعذب كلماته الأذهان، وطربت من سحر بيانه الأنفس، وغدت تنهل من معينه الرقراق، وتروي الظمأ غبوقا لا ينضب، تخضر به القلوب، وتثمر على وقع نداه الأفئدة..

وجهه نور، ولبسه نور، وكلماته من نور.. هذا الشيخ الحبيب قضى جُلّ حياته بالرد على الفتوى، يجيب على كل متصل يستفسر عن مسألة؛ يحل نزاعا، ويحكم بين الخصيمين بالحب ، ويحث على البر، والتكافل، وكان هناك في الأرجاء؛ ينصح، ويواسي؛ ويدعو، ويصلي؛ وقنه في زيارة مريض، ومدارسة علم، ومحاضرة تزكية، وإجازة طالب علم، وفتوى، وخطبة جمعة، وتقسيم تركة، وإرسال صدقة، وبعث تبرعات للأقصى، وإمامة صلاة، وبناء مسجد، ومطالعة كتاب، وحديث مع العامة..

ها هو ذا أمامك ينثر مشكاته بين دفتي وجدانك، يبذر عباراته، ويتعهدها بالحرص، وينميها، ويعمل على حصادها معك..

نور على نور؛ يرتجف قلبك هيبة لبساطته، ويأخذك سَمته المتواضع تعظيما لوقاره.

من ذا الذي زار مدينة (تعز) وما عرفه، من تُراه طلب العلم، وتعلق قلبه بمساجد المحافظة – يتزود نورا، ويقينا- ولم يسمع به، حتى كاد اسمه يطغى على عنوان مدينته.

ثم ماذا قد يكتب تلميذ عن شيخه؛ أي الكلمات ستفي، وبأي الأحرف يعبر، ونور محياه يغشاك، وسنا توهج عيناه يقصدك، ثم يتخطاك يوزع في الجميع الضياء..

مولد الشيخ عبد الله سيف الحيدري ونسبه

الشيخ عبد الله سيف صالح مثنى سلام حيدر

ولد ليلة الأحد 2 /11 / 1346 هـ، في قرية [جعر] جبل عماعمة- ماوية محافظة تعز – اليمن.

والد:

كان والده يعرف باسم الحاج سيف أشهر من نار على علم في بلده ، وكان يصلح بين الناس وكان رجلا متدينا، حليما مع القدرة، وقورا، فاضلا.

كان أبا للفقراء، والمساكين، ورجلا من وجهاء الناس الخيرين، وهو أول من دعا، وأقام في منطقته صلاة الجمعة، وصلاة العيد؛ وما كانوا يعرفونها قبله، وكان محبا لبناء المساجد، ومجيدا لقراءة لقرآن الكريم، كان يقوم قبل صلاة الفجر فلا يؤذن المؤذن إلا وقد قرأ جزأين من القرآن.

وكان مقصود الرجال الخيرين من العلماء، والصالحين، يزورونه، ويسمع أحاديثهم، وكان يحدث من البخاري، وغيره.

بنى مسجدين أحدهما في قريته [جعر] والآخر حيث أسكن زوجته الثانية فيما بعد في قرية [الجرأب]، وأوقف الثلث من ماله معَيَّنا لإقامة هذين المسجدين، وأشرف عليه في حياته .

عاش عيشة حزم في دينه، ودنياه؛ صاحب عقل، وتجارب؛ مع تقوى، وديانة، وخشية، وأمانة.

وفاته: توفي – رحمه الله- بعد عمر حافل بالصالحات، والخيرات، وجلائل الأعمال، ومنازلة الصعاب، والمهمات، يوم الأحد 14 / 11 / 1401 هـ الموافق 13 / 9 / 1981 م

والدته

صفية بنت قاسم شرف بن قاسم الحديقي القاضي، تزوجها والده في أوائل الأربعينات الهجرية بعد الألف، والثلاثمائة، أنجبت منه تسعة أولاد ستة ذكور، وثلاث إناث وهو ثاني مولود من أمه، وأبيه.

نشأته، وزواجه، وسكنه

نشأ في حضن والديه نشأة دينية، طائعا لربه، بارا بأمه، متعلقا بأبيه ، حيث عمل مع والده في المزرعة، ورعى الاغنام، وحمل الرسائل إلى أصدقاء والده، والنيابة عنه في الحكومة، والمحاكم.

وفي عام 1363هـ تزوج في قريته- مسقط رأسه- بابنة عمته/ نور بنت صالح زيد غالب- من بني علي – قرية وبران- جبل القضاة أصرار، ثم انتقل إلى مكان يسمى [مرعاد] وبنى له بيتا، واختاره المواطنون- حينئذ- ممثلا عنهم في الحكومة، وعاش معهم بحب، ووفاء، وأنجبت له خمسة أولاد، وثلاث بنات توفي منهم ولد، وبنت، وكان أول مولود له منها في 15/ 5/1365هـ.

وفي شعبان 1376هـ في قرية/ حديب- مشجب- عماعمة تزوج المرأة الثانية/ فاطمة ابنة الشيخ/ محمد بجاش المنصوري.

مسيرة تعلم حافلة بالكفاح، والصبر

أَحَب العلم بالفطرة، فجد، واجتهد منذ نعومة أظفاره،

  • مجالسة الصالحين: كان يجلس مع علية القوم أدبا، وعلما، ومنزلة ؛ كان شيخنا يحرص على مجالستهم لأن الهمم تتلاقح، ويؤثّر بعضها في بعض ، فقد كان في صباه يسمع والده، ومن كان يأتي إليه من الصالحين، ما يدور بينهم من حديث، فأحب الاستطلاع، وانصرف إلى الكتب التي كانوا يتدارسونها، ومن خلال هذه المطالعات؛ أحب العلم، وتوجه إليه بكل كيانه، وهذا كان له دور في سيره في طريق العلم، والصلاح، إنه  اتخذ والده مثاله الأسمى، وأخذ منه السلوك، والأمانة، والخطابة، والتطبيق، وعلى يديه تعلم بلوغ المرام، وتجريد البخاري؛ فهوحجر الأساس في بناء هذه شخصيته الفذة ..
  • بدأ تعلم القرآن في 1353هـ على يد الفقيه/ عبده سعيد – رحمه الله- وفي 1355هـ أتم حفظه، وكانت الدراسة جميع اليوم على مدار الأسبوع ما عدا الجمعة.
  • وقرأ على يد الشيخ/ أحمد اسماعيل الكمراني الذي دَرَسَ في بغداد، حيث كان له في قريتيه [نَعْمَان، والموجر] خلوتان سميتا خلوتا البخاري، حيث كان يُحدّث فيهما من كتاب البخاري، ولديه من العلم الكثير .
  • وفي الستينات الهجرية قرأ على يد الشيخ/ الحاج مسعد الصمدي- خريج دار الحديث- في مكة المكرمة المتوفى في 3/3/1395هـ.
  • درس عنده النحو” دحلان، والكفراوي”، وفي التفسير” تفسير ابن كثير”، وفي التوحيد” التوسل، والوسيلة، وتطهير الاعتقاد” ، وكذلك التجويد، وفي الفقه” السفينة ، وأبي شجاع، وحاشية الباجوري على شرح أبي شجاع”، وفي الحديث” سبل السلام على بلوغ المرام، والتاج للأصول حفظ الكثير من معانيه”. وحفظ الأربعين، وشرح الزُّبَد، وبهجة المحافل في السيرة ، والموطأ، والمنهاج، وشرحه، وأجازه فيهن.

تعلمه الذاتي

تعلم، ومازال يتطلع إلى العلم، ويحب القراءة، عشق الكتاب، ولازمه طوال وقته، لا يمل من صحبته؛ وكما يُحكى عنه أنه في أول شبابه كان قد خصص [نوارة] للقراءة ليلا، وهي أرقى ما كان يوجد من أدوات الضوء وقت إذٍ، وكان يبتدئ القراءة من بعد العشاء، ويستمر الضوء وقتا، ثم يُطفَأ، وبعد وقت يعود النور، ويستمر على هذه الحالة، وكان وقت انطفاء الضوء يستذكر ما قرأه، ليحفظه، ثم يعاود الكرة، وهكذا، وكأنها كانت البداية الحقيقية للتنور، والالهام.

كان يجمع ما يجود به الزمان عليه، أو ما كان يحصل عليه مقابل عمل، – وهو زهيد- قرشا فوق قرش حتى تجتمع له قيمة كتاب، فيشتريه.

وقد استطاع جلب الكتب من أماكن شتى، وبعضها لقي متاعبا في جلبها، فكوّن مكتبة عريقة فيها من الكتب القديمة، والحديثة لأنه غير متحجر ولا منجر إلى الماضي فقط، ولا يتعصب مع مذهب من المذاهب، أو جهة معينة، فهو يتابع كل جديد، مع احترامه لكل الآراء ، وقد جمع من الكتب قدرا لا بأس به، وأكثرها تعد مراجع. وبمجرد ما يقرأ في أي كتاب يحفظ منه الكثير، ويشرح معانيه ، وقد أوقف مكتبته لله تعالى .

إجازاته العلمية التي حصل عليها

  • حصل على إجازة من شيخه/ مسعد الصمدي -رحمه الله- في كتب “دحلان، والكفراوي، وتفسير ابن كثير، والتوسل، والوسيلة، وتطهير الاعتقاد، والسفينة، وأبي شجاع، وحاشية الباجوري على شرح أبي شجاع، وسبل السلام على بلوغ المرام، والتاج للأصول، والأربعين النووية، وشرح الزبد، وبهجة المحافل، والمنهاج، وشرحه”.
  • وحصل على إجازة في الفتوى، والرواية، والنقل عن الشيخ/ محمد بن يحي المطهر -رحمه الله- متصلة السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
  • ومن مشايخه في المدرسة العلمية في جبلة تم إجازته من قبل” الشيخ/ حميد عقيل، والشيخ/ يحي مرشد شمسان، والشيخ/ عبد الرحمن العنسيين، الشيخ/ محمد علي الرحبي” في سنة 1378هـ في الكتب التالية:
    1. في الفقه ” سفينة النجاة للشيخ/ سالم الحضرمي، والغاية، والتقريب للقاضي/ أبي شجاع الأصفهاني، وزبد ابن رسلان، وشرح ابن قاسم الغزي. على الغاية، والتقريب، وعمدة السالك. لأبي النقيب، وتحرير التنقيح. لأبي يحي زكريا الأنصاري، ومنهاج الطالبين. للإمام النووي].
    2. وفي الفرائض: [بغية الباحث في علم المواريث، وشرح البغية في علم الفرائض. للسبط المارديني، والشرح الكبير على البغية. للشنشوري].
    3. وفي العربية: [الأجرومية، والكواكب الدرية على متممة الأجرومية، والقطر].
    4. وفي التوحيد: [شرح تحفة المريد على جوهرة التوحيد[1]].
    5. وفي الحديث: [الأربعين النووية، وشرحها للنووي، ورياض الصالحين للنووي، وبلوغ المرام للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وسبل السلام على بلوغ المرام للإمام محمد بن إسماعيل الأمير].
    6. وفي التفسير: [تفسير القرآن الكريم للجلالين، وتفسير ابن كثير].
    7. هذا بالإضافة إلى ما كان قد درسه في الدروس الابتدائية في التجويد، والأخلاق، والتهذيب، والخط، والإملاء، والحساب.
  • – وأجيز من شيخه/ حميد قاسم عقيل رواية، وسماعا، وإجازة، بالسند ،وعليها ختمه، وتوقيعه المبجل.

أهمية المساجد في مسيرته الدعوية

علم أهمية المرحلة الأولى من العمر، وأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وأن المسجد هو المكان المناسب لبناء النشء، فقد تخرج من هذه الأماكن أئمة ومجتهدون ، ولذلك كان له دور كبير في تأسيس  العمل الدعوي والارشادي في:

  • مسجد الخير في [حديب] ماوية ، فقد كان له حلقة بعد المغرب كل ليلة يحضرها أهل القرية والمريدون من خارجها
  • مسجد النور حي الأشبط – تعز: كانت له فيه حلقات في مختلف علوم القرآن الكريم والسيرة والتوحيد، وافتتح فيه مدرستي النور للبنين والبنات تعملان على ثلاث فترات؛ صباحية وبعد الظهر وبعد المغرب، وله دور كبير فيهما بالمحاضرات والدروس والتوجيه.

ونبغ من هاتين المدرستين محاضرون ومحاضرات اندمجوا في شتى الوظائف الحكومية والخاصة يدعون إلى الله تعالى كلٌ في مكان عمله وعلى حسب الظروف المتاحة لهم.

تصدره الإفتاء في الحرمين (المكي، والمدني) 

في عام 1367هـ ذهب الشيخ لأداء فريضة الحج برّاً، وكانت رحلته شاقة ، إذ كانت بداية السفر من أواخر شوال إلى نصف المحرم. ، وقد بلغ عدد حجيج تلك السنة تسعون ألفا، وحج ثانية عام 1373هـ في زمن الملك/ فيصل، والملك/ خالد ، وأجيز في التسعينات من الهجرة بإلقاء الدروس، والإفتاء في الحرمين- المكي، والمدني-، ومسجد الخيف ، وتصدر الإفتاء على المذاهب الأربعة، فاعترف له العلماء، وسلموا له الرخصة من هيئة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأخذ مكبر الصوت، وبرز في الحرم محاضرا، وفي منى، وعرفات؛ ومن هنا انتشر ذكره في الآفاق، وظهر على مستوى الإرشاد، فرفع لليمن قيمته العلمية لاسيما قضاء ماوية حيث برز في المخيم اليمني، وبحضور المشايخ منهم الشيخ/ عبد المجيد الزنداني، والشيخ/راشد الغنوشي، وغيرهم، وبقوا في تواصل معه من شتى البقاع، حتى أنه كانت تصله أسئلة من بقاع شتى مثل: الرسائل المعنونة (من تونس الغراء إلى اليمن الخضراء)، وعلى عنوان: اليمن- تعز- ماوية. فيجيب عليها، ويرسلها في البريد مشبعة بالجواب.

مؤلفات الشيخ عبد الله سيف الحيدري

  • ديوان شعر، يتضمن الحِكَم، والرثاء، والتوحيد، والوعظ ،والذِكْر للمناسبات الوطنية، والدينيةٍ.
  • رسالة في التوحيد، بَيَّنَ فيها عقيدته، وما يدين لله به،.
  • رسالة في مدح الحبيب- r- ” كلام منثور على شكل سيرة مختصرة للنبي r”.
  • دليل المؤمنة إلى الساحة الآمنة، تناول فيه ما يخص المرأة قديما وحديثا، وكيف وضع لها الإسلام المكانة السامية، وماذا يريد منها الأعداء.
  • بلسم المؤمنين من لسع المغنين، بين فيه حكم السماع، والغناء، وآلاته المختلفة.
  • الدليل القوي إلى الصراط السوي، وهو مجموعة من الخطب على مدار السنة، قيّد بعضها بالمناسبات، والبقية يختار الخطيب منها على حسب موضوعه الذي يريد معالجته في المجتمع.

دوره في تجديد الخطاب الدعوي، والتعليمي

أظن أن دوره لا يخفى على أحد، فهو: خطيب مفوه مصقع، بدأ الخطابة رسميا سنة 66هـ، أي أن له 60خريفاً في هذا الميدان ،وقد اتصف بالجرأة في قول الحق الممشوق بحكمة التصرف؛ في المقدم تتجه إليه الأنظار، وفي المقيل له الصدارة في الحديث ، وفي المسجد، أو العيد هو الخطيب في المنبر، وعند الصلاة هو الإمام.

منذ عام 64هـ هو الخطيب في الأعياد-حيث تكون إقامته- إلى يوم وفاته- رحمه الله- إلا أن يكون في الحج.

وكان الممثل للبلد في المناسبات، والأعياد، والمهرجانات الوطنية، سواء بشعره أو خطابته، فقد استمر خطيبا منذ صباه في مسجد والده الذي أتاح له الفرصة بعده في قريته المسماة (جعر)، ثم خطب فترة طويلة في مسجد الخير في [حديب- عماعمة]. وكان له الشرف فيما بعد في توسعة المسجد.

وفي عام 1404هـ دخل مدينة (تعز) فالتقى بالشيخ/ ناصر محمد الشيباني – مدير مكتب الأوقاف بالمحافظة- الذي وجهه للخطابة في جامع (النور- الأشبط- الشماسي- تعز)، كون الشيخ/ عبد الله تابع لمكتب الإرشاد منذ زمن الزبيري، حيث عينه الزبيري مرشدا عاما لقضاء ماوية عندما قدم من القاهرة، وبعد أن تعرف عليه/ الأشبط، وأعجب الجماهير بخطبته ذهب الأشبط إلى المكتب، وطالب به خطيبا للجامع، فصارت العلاقة بينهما حميمة، وصار محبا للشيخ/ الحيدري يجالسه كثيرا .

ظل الشيخ متنقلا للإرشاد في محافظات تعز، ولحج، والضالع، وإب، وغيرها..

له دروس مبثوثة عبر [إذاعة تعز]، وفتاوى مباشرة عبر التلفون، وفي عدد من القنوات .

وعندما عجز عن الحركة جلس في بيته  للإفتاء إما- وجها لوجه- مع السائل، أو عبر التلفون .

أسس مكتبة النور في مؤخرة مسجد النور- الأشبط في 1404هـ، وكانت التوسعة بتاريخ 17/1/ 1422هـ، وظل مشرفا عليها، متابعا لها ،حاثاً على دعمها، إذ تحتوي على مختلف وسائل التثقيف من الكتب [القديمة، والحديثة] ،والمجلات، والكتيبات، وجهاز حاسوب بلوازمه من [طابعة، وسيديهات]، ووسائل التثقيف المسموعة -من أشرطة كاست-، أو المرئية – من أشرطة فيديو-، أو التثقيف الإلكتروني، وهي بمجملها تحوي على محاضرات، ودروس، وأناشيد دينية؛ وهي مفتوحة لمن أراد الاستفادة، والاستعارة، وتحت إدارة منتخبة من شباب الجامع.

حياته اليومية، ووقته الخاص

عظيم في وقته العام، والخاص، ينظمه بدون ملل، ولا روتين ساذج، لا يضيعه هدرا؛ فهو إما مصلح بين الناس، أو مفتٍ، أو محاضر، أو مطالع للكتب، والصحف، والمجلات، أو متفكر مشغول الذهن.

من يره متفكرا يظن أن أمامه شعب يناديه ، أو في المحراب تنتابه رهبة العظمة، إذ يجد نفسه أمام رجل عظيم يناجي عظيماً .

كل وقته منظم، ففي الساعة الثالثة صباحا يبدأ بقراءة القرآن، ثم الأوراد، وبعد ذلك يخرج لصلاة الفجر، تتخلل ساعات ليله، ونهاره تلاوة القرآن، ويكاد أن يختمه على أوسط نسبة في عشرة أيام تقريبا ، ويختم يومه بأوراد المساء المأثورة، ثم يدعو لنفسه، ولوالديه، ثم للأقرباء، فالأصحاب- يعددهم فردا فردا، بالاسم-، ثم لجميع المسلمين، والمسلمات ممن قضى نحبه، ثم يدعو لصلاح أحوال الأمة في البلاد، ثم لنصرة المظلومين، والمضطهدين في دينهم، وأوطانهم في جميع أنحاء المعمورة. وهكذا ينظم وقته، وكل أموره، حتى مدخوله، ومخروجه منظم، يعرف ما اكتسبه، وما صرفه في يومه، وشهره، وسنته، كل ذلك في كتاب كأنه يحمل في شخصيته إدارة متكاملة.

أخلاقه، ومعاملاته، وحلمه

له من الصبر، والتحمل، وحسن الإدارة، ولم الشمل، ما يضرب به المثل، يتسم بالحلم، والعفو، وسعة الصدر؛ لا يحمل الحقد، ولا ينوي الضر بأحد، سليم القلب، لم يكذب يوما قط.

يخرج إلى السوق يأخذ متطلبات البيت بنفسه، يسلم على هذا، ويتعرف على هذا، ويتعرف على أحوال الناس، حتى كبر، وعجز عن المشي.

  • يجيب الداعي إلى محاضرة -ما أمكنته الظروف-، وفي سنواته الأخيرة  أتاه رجل يستدعيه لمحاضرة، وكانت على موعد مسبق، أتاه (بموتور) أي دراجة نارية- فلم يتأفف، ولم يمتنع، بل ركب خلفه، ومن خلفه مرافقه – يأخذ مرافقا نتيجة لضعف نظره-، وحين سئل بعد رجوعه ماذا فعلت! قال كنت أستطيع أن أستدعي سيارة، وبطيبة نفس لكني لم أرِد إحراج الرجل، أو كسر خاطره.
  • ومن أخلاقه: حبه للشورى، فلا يحتكر الرأي، يجيد فن الحوار، يحمل منهجا حضاريا متكاملا، يعمل على ترسيخه بين الناس على أساس من الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
  • يحظى باحترام جميع شرائح المجتمع بترفعه عن الصغائر، فلا يَذْكُرها، ولا يعاتب من أساء إليه، بل يعامله بالبشاشة، والبسمة، ويدرأ بالحسنة السيئةَ، ويتغافل عن أمور لو فتح لها بابا لأدت إلى مشاكل، وقطيعة، لكنه يعفو، ويصفح.
  • أما في معاملاته، أو ترؤسه للأسرة، أو قيادته في المجتمع، فهو الرجل المثالي، يداعب الطفل الرضيع، ويناغيه، ويلاطف الأطفال على مختلف أعمارهم ..
  • يخاطب الصغير، والكبير -كل بما يناسبه-، ويروح على نفسه، ويتسامى مع الأقران، ويُتحِف الشباب بنكته، ونوادره، ويلاطف الغريب، ويتعرف عليه بأسلوبه السامي، والفريد، ولم ينقص ذلك من هيبته.
  • ما رد سؤولاً قط، -من طفل صغير-، ولا كسر بخاطر أحد، وعلى كلٍ، فهو مثل عالٍ بالسلوك، والفضائل؛ تجده في المسجد مع الجماعة، وفي حلقة القرآن مع التالين، وفي مجلس العلم من المذكرين، وفي المستشفى مع المكلومين، وفي الجنازة مع المشيعين، وفي العزاء مع المواسين، وفي الأعراس من المهنئين، وفي كل المناسبات يدلي بدلوه لصالح الدعوة مستفيدا من الحدث، واعظا، أو مُهنئا، أو مُسليا، ومُعينا إذا كان الحدث به مغرماً، أو قضاء لمصالح الناس، أو صلة للأرحام، أو إحسان للجيران.
  • نال إعجاب القبائل في مأرب -في إحدى رحلاته- والتقى بجمع من المشايخ، والأعيان، وجمع غفير من الناس، فطلبوا منه البقاء عندهم، وكلما وفد على مدينة أصروا على بقائه عندهم، وعرضوا عليه السكن، والمأوى.
  • قال عنه مشايخ جبلة: لقد طبع على حسن السلوك، والسيرة منذ أن كان شابا يدرس، وهو الآن مثالا يقتدى به، متمثلا قوله r: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
  • يتابع أحوال الأسرة من حين لآخر إن كان بعيدا عنهم، وإذا مرض أحدهم يسهر ليله داعيا الله له، أما إذا مرض نفسه، فلا يشعر به أحد؛ لأنه لا يزعج غيره.
  • ولوالديه عرفان مع الطاعة، وكم يُتَرحّم عليهما؛ وفي آخر دعائه يقول دائما: [لي، ولوالدي]، وله مراثي فيهما.
  • تربطه بالمسلمين علاقة حميمة صادقة، يحب لهم الخير، والوحدة، والوئام يبذل النصيحة، والإرشاد؛ ومن يرجع إلى ديوانه يعرف صدق تحسره على حال الأمة، ويظهر ذلك جليا عندما تصاب الأمة، فتراه من منبر إلى منبر يدعو لإغاثتهم، ونصرتهم، باذلا لهم ما يستطيع بذله.
  • يفهم نفوس الأصحاب، فيجالس كل على قدر طريقته، فلا يجالس الجاهل بما يجالس به العالم، ولا اللاهي بالفقه؛ ولا الغبي بالبيان.
  • كان اجتماعيا يحب مخالطة مجتمعه، يعرف أناسا من أماكن شتى، بعيدة، وما يزال يسأل عن أحوالهم كيف فلان،  وما صنع فلان؟ فمن مات يترحم عليه، ويخصه بدعائه مع ذكر اسمه. بينما في زماننا يكاد الفرد لا يعرف أهل قريته، وأهل الحي الذي يسكنه؛ بل ومن الأقارب لا يعرفون بعضهم بعضا.
  • قريب العبرة عند قيامه، تسمع حنينه، وتأوهه كل ليلة، وتشعر بقربه من الله تعالى ، وعند المواقف الإنسانية تجده صاحب الرأفة، والرحمة، ومن يشاهده أمام التلفاز يتابع المآسي التي حلت بالأمة؛ يعرف مدى حزنه من خلال انحدار دموعه، وكذلك عند تشييع الجنائز .

نباهته

  • عنده  فطنة، ونباهة، وحدس، سريع انتقال الذهن من موضوع إلى آخر، مع وجود القريحة، والدهاء، وقوة الحافظة، فهو من أهل البصيرة، إذا تعرف على إنسان يبقى عالقا في ذهنه، فإذا رآه مرة أخرى يقول له : أنت فلان بن فلان من مكان كذا.
  • يُحضِر المثل، أو الشاهد المناسب في حديثه في الوقت المناسب، سواء كان حكمة، أو شعرا، أو نثرا، جاهليا، أو إسلاميا، أو معاصرا، أو من الأمثال الشعبية بداهة، تحضره المعلومة في وقتها، وقد حفظ الشيء الكثير من ذلك، ويستذكر الماضي بأحداثه.
  • إنه آية في ذاكرته، ونباهته، حتى أنه كان بمجرد ما يقرأ في كتاب، ولأول مرة يحفظ منه الكثير مع الفهم، والتحليل.
  • أسطورة في الحفظ، والفهم، فقد حفظ القرآن سنة 1357هـ وكثيرا من المتون كمتون التجويد، وفي الفقه كزبد ابن رسلان، ومتن الرحبية في الميراث، والأجرومية في النحو، وقطر الندى؛ وألفية ابن مالك، ومنظومة البيقوني في علم الحديث. وغير ذلك. ولذلك يشجع طلابه على أخذ العلم من المتون أولاً، وكما قيل: [من حفظ المتون حاز الفنون].
  • كان عنده من كل فن طرف، فهو عالم بالعقيدة، والفقه، والتفسير، والنحو، وأول من تربع على الكرسي بين زملائه في جبلة محدثاً، كما يذكر ذلك زميله الشيخ/ عبدالرحمن قحطان، حفظ كثيرا من الأحاديث، والشعر، كنونية ابن القيم، ونونية القحطاني .
  • حفظ الشواهد النحوية المتفرقة بين أشعار الجاهليين، والإسلاميين، والبردة، والمضرية، ولامية ابن الوردي، والقصيدة الزينبية لصالح عبد القدوس.
  • وكما قال الدكتور/ فؤاد البناء – بعد جلسة مطولة معه في مقيل عام 2008م – جلست مع مشايخ كثر فوجدتهم قد تعمق كل في فنه، أما الشيخ/ عبد الله، فقد حوى كثيرا من الفنون   .

دور الشيخ عبد الله سيف الحيدري في الحياة الاجتماعية

  1. عمل أمينا شرعيا منذ عام 1366هـ-، يقضي بين الناس، ويفك خلافاتهم بما يملكه من العلم، والحكمة، والخبرة، واليقظة، وجودة في الذهن، وبفطنته في الحكم، لايُسْتَزَلُّ برأيه، ولا تمشي عليه حيل الخصوم؛ وسواء كانت الخلافات أسرية أو عقارية، يفكها، إما بحلٍ شرعيٍ، أو صلحٍ مرضٍ للجميع.
  2. تعييناته: عُيِّن عضوا للتطوير التعاوني في الثمانينات من القرن العشرين الميلادي، وترأس جمعية الأقصى – فرع تعز- في 5/7/2006م، فضربت الرقم القياسي في جمع التبرعات وقت رئاسته.
  3. تواصله: له تواصل مع الجمعيات الخيرية ،وله إسهامات بارزة في دعم الجمعيات الخيرية العاملة، والتي تتلمس هموم المواطنين الفقراء.
  4. عيادة النور: ومن ضمن اهتمامه بالشباب أسس، وافتتح عيادة مجانية تابعة لجمعية الوحدة الخيرية في مؤخرة مسجد النور- الأشبط- تعز، والتي ساهمت في علاج كثير من الحالات، وتقديم المساعدات الطبية، والتوعوية الصحية..
  5. إنفاقه: وله الباع الطويل في الإنفاق على كثير من الأسر المعدمة ،وعلى حسابه الخاص في كثير من قرى منطقته ماوية، وغيرها، وله اسهامات، وبصمات خير في بناء المساجد، وتوزيع نسخة المصحف الشريف ، كذلك له بصمات واضحة في الصدقات الجارية من بناء خزانات للمياه، وإصلاح بِرَك الماء ، وغيرها من سبل الخير كدعم الشباب الفقير، وإعانته على الزواج، والمساعدة في بناء مساكن للفقراء.
  6. كان سهلا في إقراض المعسرين القرض الحسن، يعطيهم مهلة إلى أن ييسر الله عليهم، فلم يطلب الدَّين من أحد، بل سامح كم من مدين معسر، وبمبالغ كبيرة؛ فهو لا يحرج أحدا.

من مواقف الشيخ، وحكمه، ونوادره

  • في إحدى الأيام وقع جدال بين سيد عالم، وشيخ صوفي على أفضلية الحرمين، فالصوفي يفضل الحرم المدني، والسيد يفضل الحرم المكي، وإذا بالجدال يزداد، وبالصدفة حضر الشيخ/ الحيدري فقالا: هذا هو الحكم بيننا، وكلاهما يعرفه، ولما عرف القصة قال: [الحرم المكي :لا إله إلا الله، والمدني :محمد رسول الله. وأنتم فسروها]. فكان الجواب الفصل المقنع للجميع.
  • ذات مرة ركب سيارة من صنعاء يريد تعز، وما أن تحركت السيارة إذ بالسائق يشغل شريط كاست يصدح غناء، فأراد مرافق الشيخ أن يسكت الصوت، فقال له الشيخ: دعه، فلما سمع السائق شريطه بالوجهين، وأراد أن يقلبه مرة ثانية، إذا بالشيخ ببسمته، وكلامه الهادئ قائلا: يا جماعة قلتم ديمقراطية! سمعنا شريطكم حتى النهاية فمن العدل أن تسمعوا معنا شريطنا، وكان معه أحد الأشرطة الوعظية، فناوله السائق، وما أن سمعوا الجانب الأول قال الركاب: اقلب الشريط على الواجهة الثانية، وما أن انتهى حتى سمعوه مرة ثانية، وإذا بالسائق يذرف الدموع، وفي نهاية الطريق طلبه السائق الشريط، وبعد أسبوع كان الشيخ له نفس الوجهة، وما أن وصل الفرزة، حتى تلقاه رجل يشع نوره من بين عينيه، وأخذ بيده وأطلعه السيارة وقال له أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا السائق قد حفظت الشريط من كثرة سماعه، وطلب منه المزيد، فدله على مكان يوجد فيه تسجيل أشرطة مواعظ، وخطب..
  • في عام 1996م حضر مسجد الزبيري في صنعاء لصلاة الظهر مع كوكبة من علماء اليمن منهم الشيخ/ العمراني، والزنداني، وعبد الرحمن قحطان، وعبد الله سنان الجلال، وعبد الله صعتر، وغيرهم، فأجمعوا على تقديمه إماما، فتقدم، وبعد الصلاة التفت إليهم بصوت العارف العالم المتواضع، وقال: [لم أتقدم عليكم لأني أفضلكم، ولكني أرى أن الله قد حقق دعوتي، لأني أدعو دائما بقوله تعالى: واجعلني للمتقين إماما]، فأعجب الجميع من نباهته، وحسن اعتذاره.
  • في عام 1370هـ  أتاه رجل، وقال له : لقد أرسلني (ابن علوان)- شيخ، وعالم صوفي- إليك، ويقول لك أعطني ريالا فضة، فقال له ساخرا: [لقد خرج ابن علوان من عندي قبل قليل، ولكنه لم يذكر ذلك!]، فأخذ الرجل يلتفت يمنة، ويسرة، لأنه لم يتعود من الناس هذا الجواب، ولملم ثيابه، وانطلق، ولم يعد بعد ذلك. 

مواقف الشيخ عبد الله سيف الحيدري السياسية

  • عضو  مجلس شورى الإصلاح في محافظة تعز ، وعضو  المؤتمر العام للإصلاح في اليمن منذ التأسيس ،حتى وفاته.
  • شارك في صياغة الميثاق الوطني عبر استفتاء، حيث كان محل ثقة الجماهير، وأجاب عن جميع الأسئلة التي طرحت- حينئذ – بتفويض منهم على مستوى القضاء.
  • وكان له دور في رفض الاستفتاء على الدستور- بعد قيام الوحدة – لما فيه من المخالفات الشرعية، وكان ممن قابل رئيس الجمهورية لذلك الشأن في 11/5/1991م، ورفض الرئيس الاستجابة لذلك الطلب، فدعوا إلى مسيرة في العاصمة صنعاء، واستجاب الشعب لذلك، وكانت كما يقدرها المختصون مليوني شخص.
  • شارك في مؤتمر الوحدة، والسلام الشهير الذي عقد في صنعاء في 1992م.
  • انتخب نائبا في البرلمان اليمني عام 1993م، عن الدائرة 34 تعز، وكان له دور في تعديل كثير من قوانين دستور الجمهورية اليمنية وخاصة المتعلقة بالشريعة

وفاة الشيخ عبد الله سيف الحيدري

ما إن أتم صيام رمضان لعام 1435هـ حتى تتابعت عليه الأمراض، وغلبت على حركاته، وكان الإسعاف إلى مستشفى اليمن الدولي، والمتابعة من حين لآخر من قبل الدكتور الفلسطيني الأردني/ محمد غنام والذي تابعه بعناية، وحب، وبطيبة من نفسه جزاه الله خيرا، سواء في البيت، أو في المستشفى بصورة مستمرة، لأنه عانى من كثير من الأمراض.

وكأنه أحس بقرب أجله، فاشتاقت نفسه لرؤية بلده، وكأنها كانت حالة وداع، فقرر السفر – رغم صعوبة ذلك-، والتقى بمن بقي من أصحابه،  لم يُرِد أن يكلفهم عناء السفر لزيارته. ومكث عشرة أيام خطب الجمعة، واستغل أوقاته في الجلوس مع الناس كل يوم، ووجه، ونصح، وأرشد، وشاركهم أفراحهم- حيث كان الوقت وقت أعراس كما هي عادة الشباب يؤجلون أعراسهم إلى بعد رمضان-، وكذلك شاركهم الأتراح، فقد صادف أن مات أناس وقت إذٍ، وعاد وقد حقق رغبته في هذه الرحلة.

وما إن عاد بدأت أحداث الحوثي، ودخوله صنعاء، والاستيلاء على مؤسساتها، كان الإسعاف إلى مستشفى اليمن الدولي – في نفس اليوم- وقرر الأطباء رقوده في العناية المركزة.

كان في حالة نوم متواصلة وما إن يأتي وقت الصلاة شعر بذلك، فيطلب الوضوء، ثم يعود على ما كان عليه، وما أن يجلس للصلاة، ويشعر أنه توضأ حتى تعاود عليه الحالة، فيكبر، ثم يعود لحالته السابقة، وهكذا حتى يتم.

وكان كل من يوافيه زائرا، وهو في صحوه ينصحه، وكأنها حالة الفراق، وفي 9/12/1435هـ اشتاق لرؤية الأطفال في بيته ، فأخرجه أولاده وشعر بارتياح لذلك الخروج- وكان الخروج بعد صلاة العصر- وفي مغرب ذلك اليوم، وما أن اطمأن عليهم، ومارس نظراته الأخيرة لهم  قال لولده محمد: [إنه الموت يا ولدي] وكانت التعليمات منه لكيفية غسل الميت، والتكفين.

يقول عنه ولده/ محمد في مرض وفاته: كنت كلما آتيه يقول لي: [يا بني أريد أن أغتسل أحب أن أموت نظيفا]، فأجيبه بأنه نظيف وعندما تعود إلى البيت سوف نغسلك، فيسكت، وعند عودتي يتكرر الموقف ثلاثة أيام، وفي يوم 14/10/ 2014م أجبت طلبه، وشعر بارتياح، فصلى الضحى على خلاف ما كان ينتابه من النوم. وقال لي: “أريد أن أطلع المنبر، وأخطب، وأسير مع الناس لخدمتهم، وأنصح، وأوجه لكنني لا أستطيع الحركة، وكانت لسانه قد ثقلت، وكان يجهد نفسه، لينصحني، ويوصيني “.

ثم صلى الظهر بكيفيته إلى تمامه ،وقال: [اللهم إنك تعلم أني لم أحدث أمرا لم يحدثه العلماء من قبلي، وقد اجتهدت قدر استطاعتي، اللهم إني أشهد أنك حق، ورسولك- r- حق، والقبر حق، والجنة حق، والنار حق، اللهم خذها، وأنت راض عنها، وشهد بالشهادتين]، وما إن أتم الصلاة، وشعر أنه بحالة جيدة من الطهارة بدأت حالة الحشرجة، وسلم نفسه مطمئنا -رحمه الله- في يوم الأحد الساعة الثانية عشرة، والنصف ظهرا 25/ذي الحجة/1435 هـ، 19/10/2014م،  بعد عُمْر حافل بالصالحات، والخيرات، وجلائل الأعمال، ومنازلة الصعاب، والمهمات، ومنفعة الناس.

وبعد صلاة فجر يوم الاثنين26/ذي الحجة/1435 هـ، 20/10/2014م.  كانت الصلاة عليه في مسجد النور- الأشبط -تعز، وقد حضر الصلاة جمع غفير ، تزاحموا بالمسجد، والمدرسة المجاورة ، وضاقت بهم الشوارع؛ ثم كان الموكب المهيب إلى قريته [حديب] على حسب الوصية، وكانت الصلاة عليه ثانية من أهالي المنطقة.

أبرز ما قيل عن الشيخ عبد الله سيف الحيدري

الشيخ علي القاضي: 

شيخنا العلامة/ عبد الله سيف الحيدري -رحمه الله تعالى- من أكابر علماء اليمن يهذبك سمته قبل لفظه، ويذكرك بالله منظره قبل وعظه، عالم عامل، جاب البلاد داعية، ومعلما، تربت عليه الأمة، ونحسبه من أولياء الله، ولا نزكي على الله أحدا، وهذا من فضل الله عليه، فكم من أناس فُتِحَ عليهم في العلم، ولم يفتح عليهم بالقبول، ولا بالهدي الصالح! وقليل هم من جمع بين العلم، والعمل، وتقوى الله، وحسن الخلق، ونحسب شيخنا/ الحيدري ممن جمع الله تعالى لهم ذلك كله.

لقد سعدت بمعرفته، وشُرّفت بالقرب منه منذ سنوات، واستفدت منه كثيرا، أجازني بعد مناقشة لطيفة إجازة شرفتني، وجعلتني أطمئن إلى ما حصلته، وأثق بما أفتي به، وظل يشجعني على الإفتاء، والدعوة إلى الله ،حتى وفاته- رحمه الله تعالى-، وعندما أقعده المرض لم تُقْعِد همته، وجلده في العلم، فلازم إفتاء الناس عبر الهاتف، وهكذا أصبح مع الناس حاضرا بعلمه، فالعلم حياة العلماء العاملين من سلفنا الصالح، زهد في الدنيا، وأقبل على الآخرة، فانكب على العلم، وتعليم الناس.

الشيخ عبدالرحمن قحطان

الشيخ/ عبد الله الحيدري – رحمه الله – زميل لي في الهجرة لطلب العلم في أوائل السبعينات من القرن الرابع عشر بعد الألف في مدينة جبلة المشهورة، ارتشفنا من معين جامع/ أروى نحن، وإياه مع مئات من طلاب العلم الشرعي من كل أرجاء اليمن، وبالأخص من لواء تعز، وإب، والضالع، وبعد أن عاد من جبلة كنت أسأل عنه القادمين من ماوية، ومن العماعمة، وما حولها خاصة حيث يسكن هو ، فيقولون عنه بأنه يبث أنوار الهداية المحمدية، وينشر المعارف الشرعية بين سكان تلك المناطق، وغيرها، وقد واجه صعوبات في طريق الدعوة؛ لكنه تلقاها بالصبر، والثبات، والتسامح.

بعد أن انتقل إلى مدينة تعز شرع يكثف جهوده بنشر العلم للجنسين ذكورا، وإناثا، إضافة إلى المحاضرات العامة في المعسكرات، والمساجد، وفي اللقاءات الجماهيرية، والاحتفالات القرآنية، والمناسبات الدينية على مستوى مدينة تعز، وغيرها من المدن اليمنية، وكان في كلها موفق، فالشيخ/عبد الله منحه الله قدرة على العطاء، وجودة الإلقاء، وحشد الأدلة في الموضوع الواحد بدون تكلف؛ لأنه عالم آخذ عن العلماء، والفضلاء، وليس بالمطالعة؛ فهو مسدد، وموفق في كل خطبة، وفي إلقاءاته العامة.

الشيخ أحمد مقبل بن نصر

الشيخ/ عبد الله بن سيف بن صالح مثنى-رحمه الله- عرفته منذ نزل مدينة تعز ،وأقام فيها، فهو العالم الفاضل، والشيخ المربي، والخطيب المفوه، تتخلل خطاباته، ودروسه النكت الهادفة، والمشوقة، والنوادر المسلية، صاحب الخلق الحسن، والتواضع الجم؛ البسمة دائما على شفتيه، وأثرها واضح على قسمات وجهه ، وقد كان من تواضعه- رحمه الله – يحضر بعض دروسي في جامع الفلاح، وعليه السكينة، والوقار.

الدكتور فؤاد البناء : فقيه من عصر النور

منذ أن بدأت أعي نفسي على هذه الدنيا، وأقرأ عن سلف هذه الأمة الأخيار، وأنا أحمل في ذهني تصورا عن العلماء في عصور النور تلك، وهي صورة مضيئة، ومثالية؛ وفي حياتي العلمية صادفت عددا يسيرا ممن ينطبق عليهم تصوري الخيالي لعلماء السلف، ومن هؤلاء الشيخ الجليل/ عبد الله سيف الحيدري -رحمة الله تغشاه-.

إنه مثال للعالم الفقيه الذي يجمع بين فقه الواجب، وفقه الواقع، رغم أنه تربى بطريقة تقليدية، إلا إنه شديد المتابعة لكل جديد، واسع المعرفة بعصره، ومتغيراته، لم تمنعه مُدارسة الكتب من قراءة الصحف، والمجلات، ولم تشغله أصول الإسلام عن أصول العصر، وفروعه.

لقد عرفت الشيخ/ الحيدري -رحمه الله – عن قرب؛ فرأيت فيه العالم العامل؛ فهو شديد الزهد؛ متواضع في أكله، وشربه، وملبسه، وحركاته، وسكناته، شديد التلقائية في تصرفاته، لا يعرف التكلف في خطاباته ، وقد  أورثه زهده، وتواضعه انحيازا إلى جماهير الناس، وبساطتهم، فهو يتبنى همومهم، ويحل مشاكلهم، ويصلح بين المتخاصمين منهم، يخالط الجميع، ويمزح معهم، ويحمل روحا شبابية أكثر من معظم الشباب، فما بالك بمن ظن أن العبوس من ملازمة العلم، والعلماء!. وأكثر ما يعجبني في الشيخ/ عبد الله سيف أنه لم يزعم أبدا امتلاك الحقيقة المطلقة، ولذلك لم يُكَفِّر، أو يُفَسِّق، أو يُسَفِّه أحدا من المسلمين؛ ولم يعادِ من يخالفه  الرأي، اختلفت بعض آرائي عن بعض آرائه، فلم أجد منه إلا كل المحبة، فهو من القلائل الذين أتقنوا أدب الاختلاف، وجسدوا مقولة: [الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية].

رحم الله شيخنا الفاضل، ونفعنا الله بعلمه، وجعل الجنة مثواه.

اقرأ أيضا: الشيخ عبد الرحمن بن قحطان.. سيرة، وضاءة، وعلم فريد

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى