الهجرة في الإسلام أو الهجرة في القرآن ليست مجرد انتقال مكاني بل هي حركة روحية وعقلية وقلبية نحو التغيير والتجديد، إنها تجربة الإيمان والصبر والتضحية التي تشكّل أساس بناء الأمة ورفعتها، وتستمر قيمها حية في حياة كل مسلم يسعى للارتقاء بنفسه ومجتمعه، وفي هذه الورقة النقاشية، نغوص معاً في أعماق الهجرة في القران لنتعرف على:
- أهمية فهم الهجرة فهمًا شاملاً.
- الهجرة حركة عقلية وقلبية وسلوكية.
- فوائد الهجرة العامة.
- أسئلة للنقاش والحوار.
على من سيقيم الندوة أن يحدد مديرًا لإدارة النقاش ومقررًا لكتابة الفوائد.
الهدف العام للورقة
أن يفهم المسلم أهمية الهجرة في القرآن، وأن يفهمها فهمًا شاملاً على أنها حركة علمية وعقلية وسلوكية تغييرية.
أهمية فهم الهجرة في القرآن فهمًا شاملاً
المجتمعٌ الإسلاميٌّ قويٌّ ومتماسك، وقد أولاه القرآن الكريم عنايةً خاصةً، لما فيه من دروسٍ عظيمةٍ وفوائدَ كثيرةٍ للأفرادِ والأمة. فالهجرة بالمفهوم القرآني والنبوي مستمرة إلى يوم القيامة؛ فالهجرة حركةُ تجديدٍ مستمر، وعاملٌ من عوامل قوّة الأمة الفكرية والمادية، لأن الهجرة تجتذب العناصر الصالحة المتفوقة من كل جيلٍ من أجيال البشرية لتلتقي حول أسمى الغايات وتتعاون لإنجاز أرقى الحضارات.
ولهذا ترتبط الهجرة بالتوبة ارتباطًا وثيقًا لا انفصامَ له، وكما أخبرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 100].
وقال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195].
وقال رسول الله ﷺ: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». ولهذا كانت الهجرة توبةً، والتوبة هجرةً؛ وكلاهما انتقالٌ من الخطأ والجمود والتخلف إلى الصواب والوعي المتجدد والارتقاء، ومن الرذيلة والهوى إلى الفضيلة والهدى، ومن الباطل الزائف إلى الحق الثابت الراسخ. كما أن الهجرة إيمانٌ بالفكرة، وصدقٌ في الدعوة، وجهادٌ حقٌّ.
إن الهجرة في الإسلام لم تكن مجرد واقعة من وقائع سيرة رسول الله ﷺ، وإنما هي أساسٌ اجتماعيٌّ، وركيزةٌ عقائدية، ومنطلقٌ فكريٌّ وتربويٌّ، وإشعاعٌ روحيٌّ؛ فالهجرة انتقالُ المسلم إلى الإيمان الحرِّ الذي يملأ النفوس عزّةً وكرامةً، ويأبى على النفوس أن تخلد إلى السكون أو ترضى بالخنوع أو تذلّ لقهر سلطانٍ يمنع التصرف بحرية وإقامة الدين بوعي. فمبدأ الهجرة مستمرٌّ قائم، يُمارسه المسلم الواعي لدينه ودنياه إلى قيام الساعة.
الهجرة حركة عقلية وقلبية وسلوكية
أولاً/ الهجرة هي حركة المسلم وسط الأمة لإحياء قيم الإسلام:
فكلُّ رحلةٍ يقوم بها المسلم في سبيل تحقيق أهداف نشر الإسلام وخدمة المسلمين فهي قيامٌ بواجبٍ شرعيٍّ من عبادةٍ ونحوها، وفي القيام بإنقاذ أية فئةٍ محرومةٍ من الفئات التي أوجب الله على المسلم إنقاذها — هجرةٌ. وطلب العلم من أجل رفع مستوى المعرفة عند المسلمين، لما يُقَرِّبهم من الله ويُبْعِدهم عن الشِّرك، وينمّي لديهم القدرات العلمية التي تفتح آفاقهم على العِزّة والحرية والكرامة التي يُحبها الله لعباده المؤمنين، فذلك هجرةٌ في سبيل الله.
ومن يخرج ليقضي حاجةَ إنسانٍ محتاج، أو يُغيث ملهوفًا، أو ليهدي ضالًّا، أو ليقوم بعملية إصلاحٍ بين الناس، أو ليدخل السرور عليهم، أو ليقوم بأيِّ عملٍ من الأعمال التي يُحبها الله ورسوله، فهو يُمارس الهجرة إلى الله سبحانه. فالهجرة تقتضي أن تكون حياة المسلم في سبيل الله، وذلك بتحقيق أهداف رسالة الإسلام العالمية؛ فالهجرة مرتبطةٌ بالمضمون والهدف، لا بالشكل والموقع.
ثانيًا/ تتنوع الهجرة بتنوع الأعمال الصالحة عند المسلم المهاجر، مثل:
الهجرة من منطقةٍ فيها تركُ مأموراتِ الله وفعلُ منهياته، والانتقال من دارِ فسادٍ إلى دارِ الأعمال الصالحة، وبهذا جاء قولُ الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ • قُمْ فَأَنْذِرْ • وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ • وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ • وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1-5].
وجاء في الأثر عن رسول الله ﷺ: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة؛ ثم أنت مهاجر وإن متَّ بالحَضْرِ».
الهجرة من ثقافة مجتمعات الجهل والشرك والشعوذة والانحلال والظلم — بنظمها وعقائدها وقيمها وعاداتها وتقاليدها وتطبيقاتها المختلفة — والانتقال إلى ثقافة مجتمعات العلم والفهم والوعي بالإسلام والإيمان والإحسان بمظاهره وتطبيقاته في مناحي الحياة المختلفة. فالمسلم المهاجر هو من هجر السوء فاجتنبه، ومن هجر ما نهى الله عنه، ومن تعلّم ما أمر الله بتعلمه، ومن دعا إلى ما أمر الله بالدعوة إليه.
قدوتنا رسول الله ﷺ وصحابته: بدأوا مع رسول الله بالهجرة العقلية والقلبية والإيمانية قبل هجرتهم بالأبدان. لقد هجروا ما كان عليه المشركون في مكة من شركٍ بالله وعبادةِ الأصنام وعقائدَ فاسدة وشرائعَ باطلة وعاداتٍ وتقاليدَ فاسدة. واستمرَّ القرآنُ المكيُّ في الإجابة عن أسئلةٍ كبرى: لماذا خُلِقَ الإنسان؟ من الذي سَخَّر له الكون؟ وإلى أين المصير؟
لقد هاجر رسول الله ﷺ وصحابته في مكة بعقولهم وقلوبهم إلى توحيدِ الله الخالصِ النقي، والإنابةِ الحقّةِ، والتوكُّلِ على الله، ومحبة الخير للخير. لقد هاجروا إلى قيم الإسلام القلبية السامية التي نهضت بالإنسانية فيما بعد، وذكّروا الإنسانية بأنها لم تُخلَق عبثًا ولا باطلاً، ولا لتفسد في الأرض أو تسفك الدماء أو تُكره الناس على الدين.
فوائد الهجرة في القرآن
- الفائدة الأولى: حفظ الدين والتمسُّك بالعقيدة: إذا تعذّر البقاء في أيِّ بلدٍ يمنع المسلم من إقامة شعائر دينه، فإن الهجرة في حقِّه واجبةٌ لحفظ العقيدة والتمكّن من أداء العبادة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97].
- الفائدة الثانية: نصرة الحق وتكوين مجتمع إسلامي: إن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت الخطوة الأولى لتكوين الدولة الإسلامية في المدينة؛ فبها اجتمع المؤمنون ونصَروا الدين وتحقق الأمن للمسلمين. قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُو۟لَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 74].
- الفائدة الثالثة: التمكين في الأرض بعد الضعف: الهجرة من أسباب التمكين في الأرض، فقد وعدَ اللهُ الذين آمنوا وهاجروا بأن يُمكِّن لهم في الأرض. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ…﴾ [النور: 55].
- الفائدة الرابعة: مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات: الهجرة ابتلاءٌ واختبارٌ لصدق الإيمان؛ فالمهاجر يُبتلى ويُفتن، ولكنه إن صَبَرَ وجاهد نال المغفرة والرحمة من الله، وهي من أعظم المكاسب الإيمانية. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 110].
- الفائدة الخامسة: الثبات على الحق رغم التضحيات: إن الهجرة تربية على التضحية والصبر والثبات على المبادئ رغم مشقة فِراق الوطن والأهل. قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 41-42].
- الفائدة السادسة: تحقيق الأخوّة الإسلامية: الهجرة جمعَت المسلمين المتآخين على الإسلام؛ فهي التي جمعت بين المهاجرين والأنصار، فأُسِّست أرقى صور الأخوّة الإسلامية، حيث شارك الأنصار إخوانهم كل ما يملكون. قال الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ…﴾ [الحشر: 9].
- الفائدة السابعة: اللجوء إلى الله وتحقيق التوكُّل: إنّ المهاجر يترك كلَّ شيءٍ لله، فيجازيه الله بسعةٍ في الرزق وأمانٍ في الأرض؛ وهذا درسٌ عظيمٌ في التوكُّل على الله والثقة به سبحانه. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100].
أخيرًا: أسئلة للنقاش والحوار
💬 ناقش، تفاعل، وكن جزءًا من التغيير.
- السؤال الأول: ما المقصود بالهجرة في الإسلام؟ وهل لها أنواع؟
- السؤال الثاني: ما الفرق بين الهجرة إلى الله ورسوله والهجرة من بلدٍ إلى بلد؟
- السؤال الثالث: ما الأسباب التي دعت رسول الله ﷺ إلى الهجرة من مكة إلى المدينة؟
- السؤال الرابع: ما حكم الهجرة في الإسلام؟ وهل تختلف باختلاف الحال؟
- السؤال الخامس: ما أبرز التضحيات التي قدمها المهاجرون في سبيل عقيدتهم؟
- السؤال السادس: كيف ساهمت الهجرة في تأسيس الدولة الإسلامية الأولى؟
- السؤال السابع: ما العلاقة بين الهجرة والصبر؟ وكيف يظهر ذلك في سيرة رسول الله ﷺ؟
- السؤال الثامن: كيف واجه المسلمون الأوائل تحديات الاندماج في المدينة بعد الهجرة؟
- السؤال التاسع: هل لا تزال الهجرة مشروعة في عصرنا؟ ومتى يجب أن يهاجر المسلم اليوم؟
- السؤال العاشر: كيف يستفيد المسلم المعاصر من دروس الهجرة النبوية في واقعه اليوم؟
- السؤال الحادي عشر: كيف نحمي أنفسنا من “الهجرة العكسية” عن الدين والقيم في زمن الفتن؟
- السؤال الثاني عشر: كيف تتحقق الهجرة القلبية إلى الله ورسوله في حياة المسلم؟
- السؤال الثالث عشر: ما الدروس التربوية التي نتعلمها من مواقف الصحابة في الهجرة؟
تظلُّ الهجرة في الإسلام أكثر من مجرد حدثٍ تاريخي؛ فهي قيمةٌ جوهرية تمثل رحلةَ الإيمانِ والصبرِ والتجديد المستمر للأمة. إن فهمنا العميق لها يعزّز تماسكَنا وقوتَنا في مواجهة تحديات العصر.
لذا… ندعو الجميع إلى المشاركة الفاعلة في هذا النقاش لتبادل الأفكار والاستفادة من دروس الهجرة، كي نستلهم منها طريقَنا نحو بناء مجتمعٍ واعٍ ومتماسكٍ بإذن الله.
(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا). 🤲