2026-01-24 1:56 ص
إدارة الموقع
2026-01-24 1:56 ص
ليتفقهوا

الذكر مفتاح الأبواب المغلقة

تتنازع هموم الدنيا وأكدارها على البشرَ، يَبرُزُ الذكر كواحةٍ روحيةٍ تُحيي القلوبَ وتُنعش الأرواح. إنه الصِّلةُ الخفيّةُ بين العبدِ وربِّه، والنَّسَماتُ التي تُحيي ما أَماتَتْه الغفلةُ من شغاف القلب. فالذكر ليس ترديدَ كلماتٍ على اللسان فحسب، بل هو استقرارُ المعنى في الأعماق، وخفقانُ القلبِ بحبِّ مَن بيده ملكوتُ كلِّ شيء.

 الذكر مفهومٌ يجمع القلبَ واللسان

الذكر في الإسلام شجرةٌ طيّبةٌ، أصلُها ثابتٌ في القلب، وفرعُها في السماء، تُثمرُ الأمنَ والطمأنينة. وهو على نوعين: ذكرٌ باللسان مع حضور القلب، وذكرٌ بالقلب حيث يسكن حبُّ الله وخشيته، فيصبح سلوكًا وحالًا. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. في هذه الآية الكريمة نداءٌ ربانيٌّ لحضور القلب مع اللسان، فالله لا يذكر من يذكره باللسان فقط، بل من يذكره بقلبٍ حاضرٍ وروحٍ متّصلة.

ذكـر اللسان الجسر إلى القلب

ذكر اللسان هو البابُ الأولُ لاستجلابِ حضور القلب. وقد حثَّ النبي ﷺ عليه في مواطنَ كثيرةٍ، وجعله عبادةً سهلةَ المنالِ عظيمةَ الأجر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (رواه البخاري ومسلم). فهذه الكلمات تُقال باللسان، ولكنها عندما تُردَّد بإخلاصٍ تثقل الميزان، لأنها تحمل من قلبٍ مؤمنٍ إقرارًا بالتنزيه والحمد لله.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه، مَثَلُ الحيِّ والميِّت»(رواه البخاري). فاللسانُ الذاكرُ دليلُ حياة القلب، كما أن حركةَ الجسدِ دليلُ حياته.

 ذكـر القلب جوهر العبادة

أعلى مراتب الذكر أن يستقرَّ في القلب، فيصبحَ صفةً لصيقةً بالعبد، فلا يزالُ قلبُه معمورًا بتعظيم الله ومحبّته وخشيته، فينعكس ذلك على كلِّ حركاته وسكناته. وهذا ما يفسِّر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. الطمأنينة هنا ثمرةٌ للذكر القلبيّ العميق، الذي يملأ النفسَ سكينةً ويقينًا.

وكان النبي ﷺ وهو سيّد الذاكرين، يجدُ في ذكر القلبِ راحةً وسلوة، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”. وكان اجتهاده ﷺ ليس في حركة اللسان فحسب، بل في كمال حضور القلب وإقباله على الله.

ثمار الذكـر الشاملة

للذكر ثمارٌ يانعةٌ تجمع بين حلاوة الدنيا وطمأنينتها، ونعيم الآخرة ورضوانها:

  1.  طمأنينة القلب وسكينته: فهو يزيل الهمَّ والقلق، ويُعيد التوازنَ للنفس البشرية.
  2.  قوّة الصلة بالله: فالذكر كالماء للنبات، يزيد الإيمانَ نماءً وقوة.
  3.  النور والفرقان: قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. فالذاكرون يمنحهم الله فرقانًا يُميّزون به الحقَّ من الباطل.
  4.  حفظٌ من الشيطان: فالذكر حصنٌ حصينٌ من وساوس العدوِّ وهمزاته.
  5. حياةُ الذكر في المجالس: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما جلس قومٌ مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» (رواه مسلم).

 الذكـر هو الحياة

إن حياة القلبِ بالذكر، كما أن حياةِ الجسدِ بالروح. فليحرص المسلم على أن يجعل لسانَه رطبًا بذكر الله، وقلبَه معمورًا بمحبّته، حتى يكون من ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]. ففي كلِّ لحظة ذكرٍ تجديدٌ للعهد، وتوثيقٌ للصلة، واستمدادٌ لقوةٍ من خالق الأرض والسماوات. ألا إن أرواحنا تشتاق إلى مناجاة مولاها، فَلْنُطفئ ظمأها بالذكر، ولنُسعد قلوبنا بالاتصال، فنذوق حلاوة الإيمان، ونسير في ركبِ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى