2026-01-24 3:24 ص
إدارة الموقع
2026-01-24 3:24 ص
حكاية الرحيل

رغم الغياب .. مازال أجمل الحاضرين

بقلم: بن محمد علي إسماعيل (عمر)

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أعوام، وأنا في طريقي لتقديم العزاء في إحدى القرى، استوقفني رجل مسن، حدّق في ملامحي طويلاً قبل أن يسألني: «أنت بن من؟»

أجبته : بن محمد علي إسماعيل.

فاندهش وأعاد السؤال:

«أنت بن محمد علي إسماعيل؟!»

أومأت برأسي: أيوا

فصاح باللهجة الشعبية:

«ذاهو… ذاهو بن محمد علي إسماعيل!»

صافحني بحرارة، وقبّل رأسي وهو يكرر:

«بلغ أبوك السلام… بلغ أبوك السلام.»

تكرر معي هذا الموقف في أماكن أخرى وبطرق مختلفة ..

من يومها أدركت أن أبي لم يكن يمشي بينهم فقط… بل يسكن قلوبهم

****

عامان .. ولا يشبهه أحد

مرّ عامان على الغياب، عامان حاولت فيهما الكتابة عنه مرارًا… وكانت الكلمات تخذلني.

كل ركن، كل صوت، كل صباح جمعة يعيدني إليه.

هذه المرة فقط قررت أن أقتحم الذاكرة، لا لأبكيها، بل لأجمع شتات جزء من التفاصيل التي تركها أبي متناثرة في حياتنا… تفاصيل أكبر من أن تُنسى، وأعمق من أن تُروى مرة واحدة.

*****

أبوّة تصنعها التفاصيل

حفظت منه سورة الكهف والأذكار(المأثورات) من خلال السماع وأنا ما زلت صغيراً، قبل المدرسة وقبل أن أفهم معنى الحفظ.. حيث كان يتلوها فجر كل جمعة وأنا في حجره .. ذلك اليوم الوحيد الذي نراه فيه؛ أمّا باقي الأسبوع فكان موزّعاً بين الدعوة والتعليم، والعمل الدؤوب الذي لم يتوقف.

********

وأنا في السادسة من عمري تقريباً اخذني معه الى مدينة تعز( عندما كنا في القرية)

في اليوم التالي أيقظني مبكراً، ثم خرجنا بعد صلاة الفجر حيث يبدأ تنفيذ أعماله في هذا التوقيت .. أتذكر بأنه كان ينجز عملاً في مكان وينتقل لآخر ..

تنقلنا ومشينا وتعددت مرات المرور جوار المطاعم حيث رائحة الأكل زادت من جوعي!

كنت أحدث نفسي بأننا سنأكل في هذا المطعم .. ربما في المطعم الآخر .. يمكن في اللي بعده ..

لكننا نتجاوزهم جميعا ونواصل المشي في اتجاهات لا أعرفها !!

أتذكر أنه مر وقت طويل ونحن لم نتناول الصبوح !

عندما اشتد الجوع توقفت .. وبدون مقدمات سألته: أنت صائم اليوم ؟

فانفجر ضاحكاً، وأخذني الى أحد المطاعم القريبة

ضحكته تلك… كانت كفيلة بإزاحة التعب عن كتفي طفل يجهل أن أباه يحمل همّ الدنيا وهو يربّت على رأسه برفق.

بالطبع هذه ليست المرة الوحيدة التي ينسى وجبة الصبوح، فقد كان ينسى نفسه كلما تقدّمت عليه واجباته.

*****

خمسون ريالاً… وقلبٌ أكبر من جيبه

في احدى المرات أثناء انتظاره الباص جاءته امرأة تريد مساعدة!

لم يكن في جيبه سوى خمسين ريالا هي أجرة الباص في تلك الأيام.

فأعطاها ال50 ريالا، واتجه يمشى على قدميه مسافة طويلة حتى شاء الله أن يمر صديق له مصادفة ويوصله إلى البيت بسيارته.

****

هدية من السماء

كان خفيفا يحب البساطة وعدم التكلف، كانت معظم تنقلاته عبر الباصات العامة.

وفي احدى المرات لم يوصله سائق الباص لمدخل الحارة الشرقي، رغم اتفاقه المسبق معه ورغم أن خط سير الباص إلى ذلك المكان !!

فاضطر الوالد لصعود العقبة التي كان يتحاشاها (عملاً بنصيحة الطبيب بعد عملية القلب المفتوح)..

صعد العقبة وهو زعلان من سائق الباص إلى أن وصل قمتها لقي شخص لا يعرفه من قبل فسأل الوالد: أنت محمد علي اسماعيل؟!

قال: نعم

قال الرجل: كنت عند بيتك أبحث عنك.. فقط لأخبرك بأني رأيت رسول الله في المنام وهو يبلغك السلام!

كانت تلك البشارة كافية لأن تُنسيه مشقة صعود العقبة، وأيقن بأن لله حكمة في كل تدبير.

*******

عبارته التي لم تغادرني

في احدى المرات وبعد 36 ساعة سفر كان وصولنا للبيت بنفس توقيت بدء المنتدى الاسبوعي في الحارة، فكنت اقول له ارتاح قليلا .. مازال ارهاق السفر باديا علينا ..

فيجيب بعبارته التي لم تغادرني: «لا أريد يأتي الموت وأنا على فتور».

وهكذا مرات عديدة أثناء مرضه كان يخرج للمسجد.

فأقول له: أنت مريض ومعذور.

فيقول: (لا أريد يأتي الموت وأنا على فتور)!

رجلٌ يعيش كما يليق بالصالحين

******

في وجه الحرب… كان هو الثبات

عام 2015…حين اختار الجميع النزوح، رفض أبي الرحيل.. رفض الخروج الى القرية أو النزوح الى مكان آمن كما يفعل معظم الناس أوقات الحروب !

وكان يرفض فكرة الذهاب الى السعودية او أي دولة اخرى.. حيث كان جوابه لمن يناقشه بهذا الموضوع: (حتى تنتهي الحرب) ! كان يرى أن الواجب أثقل من النزوح.

تحايلنا عليه أنا وأخي طارق، وعرضنا عليه مقترح (تأدية مناسك العمرة).. كنا نريده أن يخرج من جو الحرب وأماكنها !

لكنه رفض وبقي حيث يجب أن يكون؛ مع الناس، وفي قلب المدينة.

بقي في قلب المعركة، بين شارع جمال وما حوله، تلك المناطق التي يثقلها القصف ويثخنها الخوف.

كان يمشي إلى الجبهات سيرًا على الأقدام، يزور المقاتلين، يثبت قلوبهم، ويؤدّي دوره بصمت الرجال الذين لا يُبهرهم الضوء ولا تغريهم السلطة.

*****

إرثه الدعوي.. والموقع الالكتروني

في سنواته الأخيرة وكأنه شعر بدنو الأجل كان يريد حلاً للإرث الدعوي.. فهناك المئات من المحاضرات والخطب والدروس، وخاصة في مجال التفسير التي ألقاها خلال ما يقارب 50 عاما من مسيرته الدعوية.. لا يريدها ان تبقى حبيسة الأوراق بعد وفاته !

هكذا فهمت منه خلال نقاشاتنا المطولة، فطرحت عليه فكرة إنشاء موقع الكتروني على شبكة الانترنت يكون بمثابة ارشيف لكل أعماله، بالإضافة الى تغذية الموقع بكل جديد له ولغيره من الدعاة، حتى يدوم العطاء، ويستمر العلم النافع.

أعجبته الفكرة، لكنه لم يقتنع بأن يكون الموقع باسمه، بل كان يريد اسم عام للموقع.

كان يرى أن القيمة في الفكرة، لا في صاحبها، حتى أقنعه العزيز عبد المؤمن شرف ( المشرف العام على الموقع) بأن يكون باسمه.. لأنه هو مادته وروحه وصاحبه الأول.

*****

خفيف في حياته… خفيف في رحيله

في احدى المرات كانت الوالدة تتحدث مع أخي الأصغرعن شراء ستائر، فألتفت للوالدة وقال جملة ظلّت تهزّني كلما تذكرتها: «أريد أموت خفيف.»

****

تقاعدٌ مع وقف التنفيذ

قبل سنوات الحرب ورغم تقاعده، ظل يعمل في التوجيه بالمدارس الأهلية ليوفر للأسرة الحد الأدنى من الاحتياجات!! علمت بهذا السر من والدتي بعد رحيله!

*****

ملامح شخصية استثنائية

– يحافظ على الوقت، ومواعيده دقيقة، وكانت لديه خطة يومية واسبوعية وشهرية وسنوية، ينفذها ويقيمها أولا بأول.

– كان محبًا للعلم والمتعلمين، ناصحًا، باذلًا، يشجع على مواصلة الدراسات العليا ماديا ومعنويا.

– كان منفتحًا على كل رأي، يستمع باهتمام، يشاور، يحدّث معلوماته باستمرار.

– كان يتألم ولا يتكلم.. سنوات من الوجع يحملها في صمت، لا يشكو ولا يرهق أحدًا بهمومه.

– كان يتحرى الحلال، يبتعد عن الشبهات، يحافظ على صحته بالمشي اليومي، ويعيش بخفّة.

– كان يعدل في كل شيء حتى في الأكل.

– كان معروف عنه بأنه لا يحب المظاهر المسلحة والبهرجة، وكان يعارضنا بشدة عندما نطرح عليه فكرة المرافقين مع أسلحتهم لأسباب لم اقتنع بها في حينها، واقتنعت بصوابية فكرته بعد وفاته.

– لا أتذكر أنه ضربني يومًا…كان يرشد.. يوجه.. يعاتب بحكمة.. ويُعلّم بالفعل قبل القول.

– رجل عملي، إرادته قوية وعزمه لا يلين

– لا يعجبه القيل والقال فيما لا ينفع، ويحب الأقوال اذا اقترنت بالأفعال .. واذا جلس في مجلس يتحدثون فيه عن اي موضوع يختصر الوقت ويلفت انتباه المتواجدين مباشرة نحو الفائدة العملية : ما دورنا ؟!

********

آخر صوت… آخر أثر

صباح الجمعة الأخيرة، كأنه كان يسابق الزمن، كأنه كان يريد أن ينجز كل شيء قبل أن يغادر، كأن قلبه يعرف أن الصفحات توشك أن تُطوى.

اتصل بي يطلب بعض الاحصائيات لأحد المواضيع التاريخية عن اليمن.

وكأنه كان يعرف أن المكالمة ستكون آخر أثرٍ حيّ يصلني منه.

قلت له: طيب، سأبحث عنها

ولكنه فاجأني بعد صلاة الجمعة بقوله:

«وجدت الاحصائيات في أحد المواقع الموثوقة.»

كنت أظنه يومًا عاديًا.. لكن لم أكن أعلم أنه آخر ما سيبقى في ذاكرتي من صوته

رحل أبي… لكن اسمه ما زال يفتح أبوابًا، ويوقظ محبة قديمة، ويعيدني كل يوم إلى معنى أن يكون الإنسان أثرًا لا ينطفئ.

يا أبي… لم ترحل.. لم تغادر… أنت فقط انتقلت من المقعد المقابل لنا إلى المكان الذي لا تصل إليه يد الفقد، لكنه يصل إليه الدعاء.

رحمك الله بقدر ما أحببناك… وبقدر ما زرعت في حياتنا من أثر لا يكرره أحد.

Author

زر الذهاب إلى الأعلى