2026-01-24 3:15 ص
إدارة الموقع
2026-01-24 3:15 ص
كتابات

السُّكْرُ المعنويّ: هروبٌ من الحياة والدين

الإنسان بين الحياة والدين

قمة السُّكر أن تعيش حياتك هاربًا من حياتك، غير أنه سَكَر مُقنّع مادتّه النفوس لا الكؤوس، فتأمل كيف تسير الحياة وباي طريقة تؤدي عباداتك وإلى أين تذهب وهل ما تفعله يكفي حقاً لتحظى بالجنة والنعيم أم أن الأمر اعمق من عبادات جسدية تؤديها ومن كلمات ترددها بدون أن تستشعر المعنى.

تأمل وفكر في الحياة والدين

تأمل في هذا الحديث: {جَاءَ أعرابيّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا».فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ. فَقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ. فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» [مسلم].

إذا تفكّرت في قوله عليه السلام “إن صدق”، تستشعر دلالة أنّ “محض” الحفاظ على تلك الفرائض العامّة البديهية مَطلب عزيز ! فمن جهة، لا يمكن لعامل أن يستيقن صدقه وإخلاصه، بل غالبنا يؤدي الفرائض في غفلة عن كثير من معانيها وعلى رأسها الإخلاص!

ومن جهة أخرى، فالقيام بما فَرض الله على الوجه الذي يُحبّه ويرضاه ليس شأنًا هيّنًا يَتحصَّل تلقائيًا بمجرد “أداء” الفريضة، بل هو رحلة من مكابدة الاستحضار والحضور، ومدافعة الهوى وتكاسل النفس، ومتابعة الهيئات الشرعية والحذر من المخالفات، وغير ذلك مما لا ينتهي على الحقيقة، لمن كان طالبًا مرضاة اللِه ومحبّته، لا مجرد “التخلص” أو “إسقاط” التكليف!

وقد لا يبدو أنّ ثمة بأس في نهج الحياة ذاك، حين تنظر للمعادلة من جهة الاقتصار “دون زيادة”. لكنّ المصطفى عليه السلام يوجّهنا بقوله “إن صدق” إلى حقيقة الجهد المُضاعَف المطلوب عند الاقتصار “دون نقصان”، أو الاقتصار دون تقصير. فمن يقول إنه يكتفي بأداء الصلوات المفروضة دون زيادات النوافل، لا يلتفت غالبًا للجهد الكامن في تحقيق ذلك الاقتصار السهل في نظره، وهو إتيان الفرائض بحقها دون نقصان: في وضوءها ووقتها وخشوعها…. من ذا الذي يضمن لنفسه ذلك التمام في اقتصاره؟ بل إنّ التفكر في الأمر من هذا الوجه يدفع المؤمن للحرص على نصيبٍ من النوافل، لا باعتبارها “زوائد” بل لوازم تَجبُر ما يعلمه من نقص في أدائه للفرائض، وطمعًا في تثقيل ميزانه يوم الحساب.

ونهج الاقتصار إذا صاحَبَه اتباع الهوى، فإنه وإن لم يَجُرّ لنواقض الإيمان، فإنه لا ريب يُغرِق في نواقصه ويأكل من أطرافه، بما يُغيِّر على المؤمن قلبه وحضوره في العبادات، ويُفوِّت عليه من فرص استزادة وإتقان تجعله من المغبونين يوم التغابن، على ما سبق ذكره.

نهج الاقتصار إذا صاحَبَه اتباع الهوى، فإنه وإن لم يَجُرّ لنواقض الإيمان، فإنه لا ريب يُغرِق في نواقصه

قمة السُّكر أن تعيش حياتك هاربًا من حياتك، غير أنه سَكَر مُقنّع مادتّه النفوس لا الكؤوس، والخوف من المواجهة يَشِلّ ولا يحل، وكلّ تلك المسكرات الروحية تُلهيك مؤقتًا عمّا لا بد أن تواجهه آخِرًا، فما تَفِرّ منه لا مَفرّ منه، وهو لا بد مُلاقيك. فإن سَكِرت عنه هنا عَقِلته هناك، حيث لا ينفع إبصار بعد أن اختار صاحبه العمى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:22].

تُذكّرنا هذه الكلمات بأنّ العبادة ليست مجرد إتمام واجباتٍ على عَقِبِ الروتين، بل استحضارٌ للوجدان ومجاهدة للنفس. الاقتصار الظاهري على الفرائض قد يُشعر صاحبَه بالأمان، لكنه لا يضمن الإخلاصَ ولا إتقانَ الشعائر؛ ولذلك النوافل ليست كمالًا زائدًا فحسب، بل سَدٌّ للنقص وجسرٌ نحو حضورٍ أعمق. ومن يلجأُ إلى «سكرٍ» الهروب عن مواجهة الذات يؤجّل الحقيقة لكنه لا يغيّرها. فَليكن عملُ المؤمن حقيقياً: فرائضٌ تُؤدى بحقّها، ونوافلٌ تُواكبها، وقلبٌ صادقٌ في النيّة؛ فحينئذٍ تصير العبادة حياةً لا طقسًا، وطريقًا نحو رشدٍ ورقيٍّ لا ينتهي.

فكِّر مَليًّا، واختر لنفسك مَثَلها وعاقبتها، واستمع لصوت كيانك الذي يناضل ليخوض الحياة التي تهرب منها!

Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى