الإشارات الكونية في سورة الأنبياء

جاءت الإشارات القرآنية لتبيِّن عددًا من الحقائق الكونية الغائبة عن الناس، وقد وردت بتعبيرات دقيقةٍ شاملةٍ جامعةٍ مفصَّلةٍ ومُجْمَلَةٍ، تستحثُّ حدسَ الإنسان للتوجُّه نحو هذه الإشارات، وتقوده إلى إعمال العقل والفكر. حيث إن تلك الإشارات محيطٌ تستقي منه المعرفة الإنسانية كلَّ ما غاب عن علمها عبر الزمان والمكان، وتبقى هذه الإشارات الرافدَ الحقيقيَّ للمعرفة الإنسانية، وبصيصَ النور الذي يقود الإنسان إلى اكتشافٍ ومعرفةٍ وإدراكِ ما غاب عن إدراكه. وقد وردت مُفَرَّقَةً بين سور القرآن الكريم حسب مقتضى السياق والإخبار والأحداث، فهناك آياتٌ كونيةٌ عديدةٌ تضمَّنتها عدة سور. ففي سورة الأنبياء إشاراتٌ يمكن إيجازها فيما يلي:
الآيات الكونية في سورة الأنبياء
- خَلْقُ السماوات، والأرضِ، بالحقِّ، أي بنُظُمٍ فائقةِ الدقةِ، والانتظام.
- وحدةُ البناءِ في الخلقِ تؤكِّد وحدانيةَ الخالقِ سبحانه.
- حقيقةُ أنَّ السماواتِ والأرضِ كانتا رَتْقًا فَفَتَقَهُما اللهُ تعالى.
- حقيقةُ أنَّ اللهَ _تعالى_ جعلَ من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ.
- حقيقةُ أنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ الجبالَ، وجعلَها رَوَاسِيَ للأرضِ، وجعلَ فيها فِجَاجًا، سُبُلًا للناسِ يَسْلُكُونَهَا، وَيَهْتَدُونَ بِهَا.
- تأكيدُ أنَّ اللهَ _تعالى_ جعلَ السماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا.
- الإشارةُ إلى دَوَرَانِ الأرضِ حولَ مِحْوَرِها أمامَ الشمسِ بخلقِ الليلِ، والنهارِ وتبادُلِهِما، وتأكيدُ جَرَيِ الأرضِ والشمسِ والقمرِ بالوصفِ القرآنيِّ المعجز: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
- تأكيدُ حقيقةِ أنَّ كلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ.
- الإشارةُ إلى أنَّ الإنسانَ خُلِقَ مِنْ عَجَلٍ.
- الإشارةُ إلى حقيقةِ إنقاصِ الأرضِ من أطرافِها في مَجَازٍ معجِزٍ.
- الإشارةُ إلى طَيِّ السماءِ كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتبِ، والعودةِ بالكونِ إلى الهيئةِ الأولى (رَتْقًا مُتَّصِلًا قَبْلَ فَتْقِهِ إلى السماواتِ والأرضِ).
الدلالات العلمية للآية الكريمة في سورة الأنبياء
قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]
إن اللهَ سبحانه وتعالى لخَّصَ عمليةَ خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وإفنائِهما وإعادةِ خلقهما في صياغةٍ كليةٍ شاملةٍ وذلك في خمس آياتٍ قرآنيةٍ:
- ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]
- ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]
- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
- ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
- ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]
هذه الآيات القرآنية الكونية تشير إلى عدد من حقائق الكون الكبير، والتي منها ما يلي:
- توسيع الكون منذ اللحظة الأولى لخلقه، وإلى أن يشاء الله.
- ابتداء خلق الكون من جُرْمٍ أَوَّلِيٍّ واحد (مرحلة الرتق الأول).
- فَتْقُ هذا الجرم الأول أي انبِعاجُه (مرحلة الفتق الأول).
- تحوُّل المادة في الجرم الأول عند فتقه إلى دخان (مرحلة الدخان).
- خَلْقُ الأرض، والسماوات من الدخان (مرحلة الإتيان بالأرض والسماء).
- حتمية عودة الكون بكل ما فيه، ومن فيه إلى جُرْمٍ ابتدائيٍّ واحدٍ مشابهٍ للجرم الأوليِّ الذي ابتُدِئَ فيه الخلق (مرحلة الرتق الثاني، أو طيِّ السماء، أو الانسحاق الشديد للكون).
- حتمية فتق هذا الجرم الثاني أي انفجاره (مرحلة الفتق للرتق الثاني).
- حتمية تحول الرتق الثاني بعد فتقه إلى غِلالةٍ من الدخان الكوني.
- إعادة خَلْقِ أرضٍ غير أرضنا الحالية، وسماواتٍ غير السماوات التي تُظَلِّلُنا اليوم، وبداية رحلة الآخرة قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]
الرَّتْقُ في اللغة: عكس الفتق، لأن الرتق: هو الضم، والالتحام، والالتئام.
الفتق لغةً: هو الفصل والشق والانشطار. والمعنى الواضح لنا من الآية الكريمة أن السماوات، والأرض كانتا في الأصل شيئًا واحدًا متصلاً، ومُلْتَئِمًا، ومُلْتَحِمًا، فَفَتَقَهُ ربُّنا بأمرٍ منه سبحانه إلى الأرض التي نَحْيَا عليها، وإلى سبع سماوات من فوقنا.
من الدلالات العلمية في النص القرآني
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)
قبل أن نتحدث عن هذه الدلالات العلمية سنعرِّفكم ما هو الماء، وكم ورد ذكره في القرآن؟ فالماء سائلٌ شفافٌ تقوم عليه الحياة، وهو في نقائه لا لونَ له ولا طعمَ ولا رائحةَ. ولفظ “ماء” ورد في القرآن الكريم (63) مرة.
ومن الدلالات العلمية للآية الكريمة ما يلي:
- إن الماء سابقٌ لوجودِه على جميع الخلائق، فقد أثبتت دراسات علوم الأرض أن هذا الكوكبَ يرجع عمره إلى أكثر من (4.6) مليارات سنة مضت، بينما يرجع عمر أقدم أثر للحياة في صخور الأرض إلى (3.8) مليارات سنة مضت. وهذا يعني أن عملية إعداد الأرض لاستقبال الحياة استغرقت أكثر من ثمانمائة مليون سنة.
- أن الله _تعالى_ خلق كلَّ صور الحياة الأرضية الباكرة في الماء. إن الحياة المائية استمرت على الأرض (3360) مليون سنة في الفترة من (3800) مليون سنة إلى (440) مليون سنة قبل خلق النبات على اليابسة.
- أثبتت دراسة علوم الأرض أن خلق النبات كان دائمًا سابقًا لخلق الحيوان، وأن عملية الخلق قد تَوَّجَها الله بخلق الإنسان. وعلى ذلك فإن النباتات البحرية سابقة على خلق الحيوانات البحرية، وخلق النباتات البرية سابق على خلق الحيوانات البرية، وكل ذلك سابق لخلق الإنسان. إن النبات الأخضر هو المصنع الرباني الذي تتخلق فيه الجزيئات العضوية اللازمة لبناء أجساد كل صور الحياة النباتية، والحيوانية، والإنسية، وذلك بواسطة الماء المقبل مع العصارة الغذائية المستمدة من الأرض.
- إن الماء أعظم مذيبٍ يعرفه الإنسان للعديد من العناصر، والمركبات التي يقوم بنقلها من تربة الأرض وصخورها إلى مختلف أجزاء النبات، ومن الطعام إلى مختلف أجزاء جسم الإنسان، والحيوان، وذلك لما له من درجة عالية من اللزوجة والتوتر السطحي.
- إن الماء يشكل العنصر الأساسي في بناء أجساد جميع الكائنات الحية، وإن نسبة الماء في جسم الإنسان تتراوح ما بين (71% في الإنسان البالغ و93% في الجنين ذي الأشهر الأولى). بينما يكون الماء أكثر من 80% من تركيب دم الإنسان، وأكثر من 90% من أجساد النبات والحيوان.
- أن جميع الأنشطة الحياتية، وتفاعلاتها المتعددة من التغذية إلى الإخراج، ومن النمو إلى التكاثر، لا تتم في غيبة الماء.
- يغطي الماء في زماننا الراهن حوالي (71%) من مساحة الأرض المقدرة بنحو (510) ملايين كم²، بينما تشغل مساحة اليابسة حوالي (29%) من تلك المساحة.
- الماء يساعد على حفظ درجات الحرارة في البحار والمحيطات في الحدود التي تعين الحياة البحرية على النشاط.
من الدلالات اللغوية للنص الكريم التالي في سورة الأنبياء
قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]
- (خَلَقَ) في اللغة العربية: قَدَّرَ، والخلق أصله التقدير المستقيم، ويُستخدم في إبداع الشيء من غير أصلٍ، ولا احتذاءٍ على غير مثالٍ سابقٍ.
- (الفَلَكِ) هو مَجْرَى أجرام السماء في المدار الذي يجري فيه كل جرم منها، وجمعه: أَفْلَاكٌ وفُلْكٌ.
- (يَسْبَحُونَ) هو المَرُّ السريع في الماء، أو في الهواء، واستُعِيرَ لحركة النجوم الانتقالية في أفلاكها، ولحركة الأرض في القرآن الكريم. فالقرآن أشار إلى حركة الأرض، وحركة باقي الأجرام السماوية بإشارات لطيفة، ومنها ما يلي:
- أولاً: سَبْحُ الليل، والنهار: فالليل، والنهار. طرفا زمانٍ لا بد لهما من مكان؛ والمكان هو الأرض. ولولا كروية الأرض، ودورانها حول نفسها أمام الشمس لما ظهر ليلٌ، ولا نهارٌ ولا تبادل كل منهما نصفي سطح الأرض.
- ثانيًا: مَرُّ الجبال؛ مَرَّ السحاب: ومُرور الجبال مَرَّ السحاب: هو كناية واضحة على دوران الأرض حول محورها، وعلى جريها حول الشمس، ومع الشمس.
- ثالثًا: إغشاء كل من الليل والنهار بالآخر: وغَشَّى في اللغة تأتي بمعنى غطَّى، وستر، لأن الغِشاءَ ما يُغطَّى به الشيء.
- رابعًا: إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل: والوُلُوج لغةً: هو الدخول. قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١]. والمعنى أن الله تعالى يُدخِل الجزءَ من الأرض الذي يخيم عليه الليل بالتدريج في مكان الجزء الذي يعُمُّه نور النهار، ويُدخِل الجزءَ من الأرض الذي يعُمُّه نور النهار في مكان الجزء الذي يخيم عليه الليل. وذلك باستمرارٍ وبطريقةٍ متدرجةٍ إلى أن يَرِثَ الله الأرضَ ومن عليها.
- خامسًا: سَلْخُ النهار من الليل: والسَّلْخُ لغةً: هو نزع جلد الحيوان عن لحمه ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧].
إن الله _تعالى_ ينزع طبقةَ النهار من أماكن الأرض التي يَغْشَاهَا الليل، كما ينزع جلد الحيوان عن لحمه. ولا يكون ذلك إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس. وتشبيهُ سَلْخِ النهار من الليل بجلد الحيوان عندما يُسْلَخُ منه دليلٌ على أن سُمْكَ النور رقيقٌ وليس جسيمًا.
حركة الأرض في العلوم الحديثة
الأرض هي أحد كواكب المجموعة الشمسية، وتمثل الكوكب الثالث بعدًا عن الشمس، وتبعد عنها بحوالي (150) مليون كم. دورتها حول محورها أمام الشمس، والتي يتبادل بها الليل والنهار، وجَريها في مدارها حول الشمس بمحور مائل، فيتبادل الفصول، والأعوام.
وحركتها مع الشمس حول مركز المجرة، ومع المجرة حول مراكز أكبر إلى نهاية لا يعلمها إلا الله. وقد عُرف من حركات الأرض ما يلي:
أولاً: حركات الأرض حول محور دورانها:
(الحركة المحورية) الدوران، أو المغزلية للأرض؛ وفيها تدور الأرض حول محورها الوهمي من الغرب إلى الشرق أمام الشمس بسرعة (1674) كم في الساعة لتتم دورة كاملة في يوم (24) ساعة.
(الحركة الترنُّحِيَّة للأرض): وهي حركة بطيئة تتمايل فيها الأرض من اليمين إلى اليسار بالنسبة لمحورها العمودي، وبترنُّح محورها المائل دورة واحدة خلال (26000) سنة.
(الحركة الانتقالية المدارية للأرض) سَبْحُ الأرض: وفيها تجري الأرض في مدار بيضاوي حول الشمس بسرعة تقدر بحوالي (30) كم في الثانية لتتم دورة كاملة في مدة سنة شمسية مقدارها (365.24) يومًا شمسيًا يتقاسمها اثنا عشر شهرًا قمريًا وأربعة فصول.
ثانيًا: حركة الأرض مع المجموعة الشمسية
في مسار باتجاه كوكبة الجاثي (هرقل) بسرعة تقدر بحوالي (20) كم في الثانية.
حركة جري الأرض، والمجموعة الشمسية، والمجرة بسرعة تقدر بحوالي (980) كم في الثانية لتؤدي إلى ظاهرة اتساع السماء بتباعد مجرتنا عن بقية المجرات في السماء الدنيا. وقد يكون للأرض حركات أخرى لم تُكتشف بعد.
الشواهد العلمية على صحة نظرية الانفجار العظيم
قال تعالى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
- التوسع الحالي للكون المشاهَد: وهي حقيقة اكتُشفت في الثلث الأول من القرن العشرين، ثم أكدتها حسابات الفيزيائيين النظريين والفلكيين، والتي لا تزال تقدم مزيدًا من الدعم، والتأييد لتلك الحقيقة المشاهدة بأن المجرات تتباعد عنا، وعن بعضها البعض بسرعات تكاد تقترب من سرعة الضوء المقدرة بحوالي (300000) كم في الثانية ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. وإذا عُدْنَا بهذا الاتساع الكوني الراهن إلى الوراء مع الزمن، فإن كافة ما في الكون من صور المادة والطاقة والمكان والزمان لابد أن تلتقي في جُرْمٍ واحدٍ متناهٍ في ضآلة الحجم إلى ما يقترب من الصفر، أو العدم، فيتلاشى المكان، والزمان.
- اكتشاف الخلفية الإشعاعية للكون المدرَك: إن اكتشاف الخلفية الإشعاعية للكون دعم عظيم لنظرية الانفجار الكوني، وقضاء مبرم على نظرية ثبات الكون، واستقراره التي اتُّخِذَت سندًا لنفي الخلق، وإنكار الخالق _سبحانه، وتعالى_ منذ مطلع القرن العشرين.
- تصوير الدخان الكوني على أطراف الجزء المدرَك من الكون: وكأن في اكتشاف هذا الدخان الكوني ما يدعم نظرية الانفجار الكوني العظيم قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١].
- عملية الاندماج النووي، وتأصُّل العناصر: تتم عملية الاندماج النووي في داخل الشمس وفي داخل جميع نجوم السماء بين نوى ذرات الهيدروجين لتكون نوى ذرات أثقل بالتدريج، وتنطلق الطاقة، وإن الله _سبحانه_ يعود بالكون إلى حالته الأولى (مرحلة الرتق) ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾، ثم يُبَدِّلُ الله الأرض غير الأرض؛ وكذلك السموات.
دلالات الآية الكريمة
قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]
ومعنى هذه الآيات الكريمة: إن الله _تعالى_ سوف يطوي صفحة الكون جامعُُ كل ما فيها من مختلف صور المادة، والطاقة، والزمان، والمكان على هيئة جُرْمٍ ابتدائيٍّ ثانٍ (رَتْقٌ ثانٍ) شَبيهٍ تمامًا بالجُرْمِ الابتدائيِّ الأول (الرَّتْقُ الأول) الذي نشأ عن انفجاره الكون الراهن. وأن هذا الجرم الثاني سوف ينفجر بأمر من الله _تعالى_ كما انفجر الجرم الأول، وسوف يتحول إلى سحابةٍ من الدخان كما تحول الجرم الأول، وسوف يخلق الله _تعالى_ من هذا الدخان أرضًا غير أرضنا الحالية، وسماواتٍ غير السماوات التي تُظَلِّلُنا كما وعد _سبحانه، وتعالى_. وهنا تبدأ الحياة الآخرة، ولها من السنن، والقوانين ما يغاير سنن الحياة الدنيا، فهي خلود بلا موت، والدنيا موت بعد حياة. قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر: ٤٦].
ومن الأمور المعجزة حقًا أن يشير القرآن الكريم إلى أهم نظريتين في خلق الكون وإفنائه، وهما: نظرية الانفجار الكبير، والانسحاق الكبير (الأنبياء: ٣٠+١٠٤).

