الإشارات الكونية في سورة النمل

جاءت الإشارات القرآنية لتبيان عدد من الحقائق الكونية الغائبة عن الناس، وقد وردت بتعبيرات دقيقة، شاملة، جامعة، مفصلة، ومجملة تستحث حدس الإنسان بالتوجه نحو هذه الإشارات، وتقوده إلى إعمال العقل، والفكر، حيث أن تلك الإشارات محيط تستقي منه المعرفة الإنسانية كل ما غاب عن علمها عبر الزمان، والمكان، وتبقى هذه الإشارات الرافد الحقيقي للمعرفة الإنسانية، وبصيص النور الذي يقود الإنسان إلى اكتشاف، ومعرفة، وإدراك ما غاب عن إدراكه، وقد وردت مفرقة بين سور القرآن الكريم حسب مقتضى السياق، الأخبار والأحداث، فهناك آيات كونية عديدة تضمنتها عدة سور، ففي سورة النمل إشارات يمكن إيجازها فيما يلي:
الإشارات الكونية في سورة النمل
وردت في هذه السورة عدد من الإشارات الكونية أبرزها:
- تقدير حقيقة الآخرة، والعلوم المكتسبة تؤكد حدوث الكون، وحتمية فناءه بشواهد مادية عديدة.
- ذكر عِلمَي الغيب، والشهادة، والعلوم المكتسبة يؤكدان أن ما ندركه في صفحة الجزء الذي نعرفه من السماء الدنيا لا يصل إلى 10٪ من كمية المادة، والطاقة فيه، مما يؤكد حقيقة عالم الغيب الذي أنكره كثير من المنكرين الجاحدين.
- التأكيد على أن كل مخلوق مهما تضاءلت صورته له قدرة من الإدراك، والوعي، والإحساس، والشعور، والإيمان الفطري، والتسبيح غير الإرادي، والعبادة التسخيرية؛ وأن الله يهب لمن يشاء من عباده شفافية خاصة لإدراك ذلك وقدرة على فهمه والتفاعل معه.
- إثبات نقل عرش ملكة سبأ من أرض اليمن إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين، مما يشير إلى وجود سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء.
- الإشارة إلى خواء ديار قوم ثمود، _وهي اليوم خربة_ منذ أن خربها العذاب الذي نزل بالكافرين منهم، وقد نجى الله _تعالى_ المؤمنين من بينهم.
- التأكيد على خلق السماوات، والأرض بالحق حسب قوانين ثابتة لا تتعطل، ولا تتخلف، ولا تتوقف حتى قيام الساعة، وهو ما تؤكده الدراسات العلمية.
- الإشارة إلى إنزال الماء من السماء، وإلى إنبات كل شيء به، وإلى أن الله _تعالى_ يبدأ الخلق، ثم يعيده، ويرزق عباده من السماء، والأرض.
- وصف تصريف الرياح بعلم الله، وقدرته، والإشارة إلى شيء من نتائج ذلك التصريف، وآثاره.
- ذكر العديد من صفات الأرض، ومنها أن الله _تعالى_ قد جعلها قرارًا، وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا، وكلها من الحقائق التي وصل إليها العلم.
- وصف هداية الله _تعالى_ لعباده في ظلمات البر، والبحر بواسطة ضوء النجوم، وأنوار القمر، وغير ذلك من التوابع.
- الإشارة إلى جعل الليل للسكن، والراحة؛ ولذلك كان مظلمًا، وجعل النهار للحركة، والنشاط؛ ولذلك كان مبصرًا، وإلى تبادلهما.
- وصف الجبال بأنها تمر مر السحاب بينما تبدو للناظرين إليها وكأنها جامدة راسخة في أماكنها.
- تقرير أن البشرية في تطورها العلمي سوف تتأكد من صدق كل ما جاء في القرآن الكريم من إشارات إلى الكون، ومكوناته، وظواهره، وإلى كيفية خلقه، وفنائه.
- الإشارة إلى أن الله سبحانه، _وتعالى_ قد حرم مكة المكرمة يوم خلق السماوات، والأرض، والعلوم المكتسبة تؤكد تميز هذا الموقع الفريد من الناحيتين الجغرافية والجيولوجية.
من الدلالات العلمية للآية 18 من سورة النمل
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18].
- أولا: أن النمل يعيش في جماعات منظمة، ويشير إلى هذه الحقيقة اسم السورة، والآية التي نحن بصددها؛ فاسم السورة جاء بصيغة الجمع (النمل) ولم يأتِ بصيغة الإفراد التي سميت بها سورة قرآنية كريمة أخرى مثل سورة العنكبوت. فالعنكبوت يعيش حياة فردية، والنمل لا يعيش إلا في جماعات. وإذا ضلت نملة منها عن جماعتها أو انفصلت عنها لسبب من الأسباب؛ فإنها إما أن تنضم إلى جماعة أخرى، أو تموت، وتوزع بينها الاختصاصات، وتؤدي أدوارًا تكاملية.
- ثانيًا: إن لأمة النمل لغات خاصة بها، وهذه الحقيقة أثبتتها الآية الكريمة المذكورة أعلاه، والتي تم تلخيصها فيما يلي:
- اللغة الكيميائية.
- اللغة الحركية.
- اللغة الصوتية.
- ثالثًا: إن للنمل قدرًا من الذكاء، والوعي، والإدراك، والشعور، وهي حقيقة أكدتها الآية الكريمة بتعرف النمل على النبي سليمان _عليه السلام_ ومن معه من الجنود، وبتحذيرهم من إمكانية أن يطأ الجند النمل بأقدامهم أو بحوافر خيلهم، وبنصيحتها لأقرانها أن يدخلن مساكنهُن نجاة من تلك المخاطر.
من الدلالات العلمية للآية 20 من سورة النمل
قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20].
(الطائر) في اللغة: هو كل حيوان من ذوات الفقار له جناحان يمكنانه من السباحة في الهواء، وإن لم يفعل ذلك، وجمعه (طير) و(طيور) و(أطيار)، وجاء لفظ (طائر) بمعنى العمل مرتين، وجاءت الصفة (مستطيرًا) بمعنى فاشيًا منتشرًا مرة واحدة. وجاء اسم طائر (الهدهد) في القرآن الكريم: هو طائر أنيق يتسم بالذكاء، واليقظة، والحدس، وسرعة الملاحظة، وقوة الذاكرة، وسعة الحيلة، والإيمان الفطري، والتسبيح اللاإرادي، والقدرة على التعبير، وتوحيد الله تعالى بصورة تكاد تكون متصلة، والدعوة إلى الخير بلا توقف.
من الدلالات العلمية للآية 21 من سورة النمل
قال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النمل: 61].
البحران: هما البحر العذب، والبحر المالح.
- أولًا: لفظة (البحر) في اللغة العربية: تطلق على البحر المالح، والبحر العذب (النهر)، ولكنها إذا أطلقت دون تقييد فإنها تدل على البحر المالح فقط.
- ثانيًا: في وصف لفظة البحرين المطلقة جاء في سورة الرحمن قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 23]. والمرجان من الأحجار شبه الكريمة يؤخذ من هياكل حيوان بحري لا يعيش إلا في الماء المالح، أما اللؤلؤ فيستخرج من أصداف حيوانات تعيش في الماء المالح، والماء العذب. ولكن جمعهما معًا يؤكد أن المقصود بالبحرين هنا هما البحر المالح، والبحر العذب.
- ثالثًا: الإشارة القرآنية الكريمة إلى تعظيم الفاصل بين البحرين العذب، والمالح بالبرزخ، والحجر المحجور.
- رابعًا: ثبت أن التنوع بين كتل الماء المتجاورة أفقيًا، وعموديًا بين البحار المتجاورة وفي داخل البحر الواحد من البحار العميقة، والمحيطات هو ضرورة من ضرورات التنوع البيئي في البحار، الذي لولاه لتقلصت الحياة البحرية تقلصًا شديدًا. وتجاور تلك الكتل المائية وتختلط دون امتزاج كامل.
طبيعة الحاجز بين البحرين
إن الحاجزين مفصولان عن بعضهما البعض بحواجز غير مرئية بطريقة مباشرة على هيئة حدود من الماء ذي الطبيعة الوسطية.
توزيع الكتلة المائية بين البحار المفتوحة لمسافات طويلة بمحاذاة خطوط العرض (في الاتجاه من الشرق إلى الغرب)، ولكنها تتغير أفقيًا بسرعة في الاتجاه المتعامد في خط الاستواء شمالًا، وجنوبًا، لذلك تتميز إلى الكتل الاستوائية، والكتل المدارية، والكتل شبه المدارية، وتنقسم الكتل المائية بصفة عامة إلى ما يلي:
- أولًا: الكتل المائية السطحية، وتمتد من مستوى سطح الماء في البحار، والمحيطات إلى أعماق تتراوح بين (400) م عند خط الاستواء و(900) م عند عرض (30) شمالًا، وجنوبًا، والحد الأدنى للنشاط السطحي للماء في البحار ما بين (200–300) م تحت مستوى سطح البحر، وينقسم الماء السطحي في البحار والمحيطات إلى عدد من الكتل الكبرى التي منها:
- الكتلة المتوسطة: وتمتد بين خطي العرض (30 و35) شمالًا، وجنوبًا.
- كتل الماء السطحي في خطوط العرض العليا، وتمتد في المناطق المناخية المعتدلة شمالًا، وجنوبًا.
- كتل الماء السطحي في المناطق القطبية، وحول القطبية: وتشمل المحيطين القطبيين الشمالي، والجنوبي، والمناطق المحيطة بهما.
- ثانيًا: كتل الماء المتوسط العمق، وتمتد إلى عمق يصل إلى (1500) م تحت مستوى سطح البحر في تباين واضح لدرجة الحرارة ونسب الملوحة.
- ثالثًا: كتل الماء العميق، وأوضح نموذج لها يوجد في الجزء الشمالي الغربي من المحيط الأطلسي، حيث يتكون هذا الماء من اختلاط ماء شديد الملوحة مندفع بواسطة تيار خليج فلوريدا، والماء القادم من المنطقة شبه المتجمدة الشمالية، وهو ماء شديد البرودة خاصة في فصل الشتاء، وتسمى (كتلة ماء المحيط الأطلسي العميق).
- رابعًا: كتلة الماء شديدة العمق، وتنتشر أساسًا فوق قاع المحيط القطبي الجنوبي، ويعتبر ماؤها أعلى ماء الأرض كثافة، ويتركز حول القارة القطبية الجنوبية، ويتحرك هذا الماء الشديد البرودة، والملوحة، والكثافة من هناك شمالًا إلى قيعان المحيطات الرئيسة الثلاثة (الهادي، الهندي، الأطلسي)، حتى يصل إلى خط العرض (30) درجة شمالًا. إن الماء في جميع البحار المفتوحة، والمحيطات يترتب أفقيًا، وعموديًا في كتل متمايزة مفصولة بماء وسطي، وسطحي يفصل كل كتلتين عن بعضهما البعض كأن كل واحدة منهما بحر مستقل بذاته.
التمايز بين ماء البحار شبه المنغلقة، والمفتوحة
يظهر التمايز بين كتل الماء المتجاورة أكثر ما يظهر بين البحار شبه المنغلقة، والمحيطات، وذلك مثل البحر الأبيض المتوسط عند اتصاله بالمحيط عبر مضيق جبل طارق، والبحر الأحمر عند اتصاله مع خليج عدن عبر باب المندب، والخليج العربي عند اتصاله مع خليج عمان عبر مضيق هرمز، والبحر الأسود عند اتصاله ببحر إيجة عبر مضيق البوسفور (الدردنيل).
من الدلالات العلمية للنص القرآني
{أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64].
أجمع المفسرون على الخلق الأول للكون، والحياة، والإنسان، ثم إعادة بعث ذلك كله بعد فنائه الحتمي قبل يوم القيامة، ومن الدلالات العلمية للنص القرآني ما يلي:
في قوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ}، تعتبر القدرة التي وهبها الخالق _سبحانه، وتعالى_ للأحياء على التكاثر _بمعنى إعطاء نسل قادر على الاستمرار بالحياة_ ضرورة لبقاء الأنواع الحية إلى أن يشاء الله، وذلك من خلال الزوجية، قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49].
دورة الخلق، والإعادة في الجمادات: نرى اليوم تخلق النجوم في صفحة السماء من داخل السدم، كما نرى انفجارها، وتحولها إلى دخان السماء لخلق نجم جديد. ومنه نرى الكواكب، والكويكبات، والأقمار، والمذنبات، والنيازك، والشهب تتخلق عن نجوم السماء، ثم تبتلعها الثقوب السوداء التي تظل تبتلع من مختلف صور المادة، والطاقة، حتى تصل إلى كتلة حرجة، فتتفجر إلى دخان السماء، وهذه كلها صور من دورات الخلق، والإعادة، وأمثالها على الأرض، وفي السماء عديدة، مثل دورة ثاني أكسيد الكربون، ودورة الصخور، وغيرها.
من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل: 86].
الليل، والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق، تشهدان على دقة بناء الكون، وعلى انتظام كل حركة فيه، ومن هذه الحركات: دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وما يستتبعه من تعاقب الليل، والنهار على نصفي الكرة الأرضية بالتدرج، وباستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وفي الآية تأكيد على هذه الحقيقة، وإشارة إلى العديد غيرها من حقائق الوجود التي منها ما يلي:
- أولًا: في قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ}، في هذا النص القرآني الكريم تأكيد على أن الليل خُلق للراحة، والسكن لحاجات الإنسان إلى النوم، كما أكدت الدراسات أن أصح نوم الإنسان هو في الساعات الأولى من الليل.
- ثانيًا: في قوله تعالى: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا}، هذا النص القرآني الكريم يمن علينا ربنا بنور النهار الذي يمكن من إبصار الأشياء بسهولة، ويسر؛ وذلك لأن الأصل في الكون الظلام، وإن طبقة نور النهار سمكها (200) كم فوق مستوى سطح البحر، وترى الشمس بعد تجاوز هذه الطبقة قرصًا أزرق في صفحة سوداء. وإن قورنت طبقة النهار (200) كم بطول المسافة بين الأرض والشمس والمقدر بنحو خمسين مليون كم في المتوسط، اتضح لنا مدى رقة طبقة النهار.
- ثالثًا: في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، إن الثبات المنتظم بين الليل المظلم، والنهار المنير على نصفي الكرة الأرضية هو من الضرورات اللازمة لاستقامة الحياة على سطح هذا الكوكب، ولاستمراريتها في هذا الوجود بصورها المختلفة جيلًا بعد جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

