الإشارات الكونية في سورة لقمان

جاءت الإشارات القرآنية لتبيان عدد من الحقائق الكونية الغائبة عن الناس، وقد وردت بتعبيرات دقيقة، شاملة، جامعة، مفصلة، ومجملة تستحث حدس الإنسان بالتوجه نحو هذه الإشارات، وتقوده إلى إعمال العقل، والفكر، حيث أن تلك الإشارات محيط تستقي منه المعرفة الإنسانية كل ما غاب عن علمها عبر الزمان، والمكان، وتبقى هذه الإشارات الرافد الحقيقي للمعرفة الإنسانية، وبصيص النور الذي يقود الإنسان إلى اكتشاف، ومعرفة، وإدراك ما غاب عن إدراكه، وقد وردت مفرقة بين سور القرآن الكريم حسب مقتضى السياق، الأخبار والأحداث، فهناك آيات كونية عديدة تضمنتها عدة سور، ففي سورة لقمان إشارات يمكن إيجازها فيما يلي:
من الإشارات الكونية في سورة لقمان
وردت في هذه السورة عدد من الإشارات الكونية الهامة وأبرزها ما يلي:
- الإشارة إلى ما تعانيه الأم من الآلام، وما يصيبها بذلك من وهن على وهن.
- الإشارة إلى أن مدة الرضاعة تمتد حتى عامين، وهو ما تؤكده العلوم الطبية الحديثة، وقد تقصر عن ذلك حسب حالة الأم، والرضيع.
- الإشارة إلى خلق السماوات بغير عمد مرئية، وقد توصل العلم الحديث إلى قوى الجاذبية المختلفة بين أجرام السماء التي تدل على الدقة، والحكمة الفائقة لله _تعالى_ في خلقه، وكيف أن الاتزان بين ما يجري من أجرام السماء في مساراتها المحددة؛ لتدل على الخلق، والخالق.
- الإشارة إلى إلقاء الرواسي (الجبال) في الأرض تحفظها من الترنح، والاضطراب من جذب الشمس مما قد يؤدي إلى هلاكها، ومن فيها.
- بيان أن أصل إنزال الماء من السماء: هو الأمطار، وهو بعلم الله _تعالى_ ومشيئته، وبهذا الإنزال ينبت كل نبات بهيج.
- الإشارة إلى الإنسان، وبعثه بعد موته ليس إلا كخلق، وبعث نفس واحدة.
- إن الإشارة إلى إيلاج النهار بالليل، وإيلاج الليل بالنهار إنما هي إشارة رقيقة لتبادل الليل، والنهار، ودوران الأرض حول نفسها، ودورانها حول الشمس.
- تسخير الشمس، والقمر، وجعل ذلك في خدمة مخلوقات الأرض، وأن هذا التسخير سوف يدوم إلى أجل لا يعلمه إلا الله _تعالى_.
- الإشارة إلى أن أنكر الأصوات: هو صوت الحمير، والعلم الحديث يبين أن الترددات الناتجة عن صوت الحمير تعتبر من أنكر الأصوات.
من الدلالات العلمية للآية 14 من سورة لقمان
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]
أولاً: قوله_ تعالى_: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} إن توصية الإنسان بوالديه لها مضامين تربوية، ونفسية عالية الدقة، وبالغة الإعجاز في آن واحد، وذلك بتذكير الأولاد بمكانة الوالدين، حتى لا ينشغلوا عنهما.
ثانياً: في قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} يعيش جنين الإنسان في بطن أمه فترة _تتراوح بين التسعة أشهر، والسنة القمرية_، معتمدًا على جسدها اعتمادًا كليًا، مستمدًا جميع احتياجاته الغذائية، والتنفسية، والمناعية من دمها، وذلك بزيادة ثقل الحمل إلى الميلاد.
ثالثاً: في قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} درج الناس على الاعتقاد بأن مدة حمل الجنين البشري هي في حدود تسعة أشهر قمرية (266 يومًا)، وقال تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]، ومعنى هذين النصين الكريمين أن أقل مدة للحمل: هي/ ستة أشهر قمرية كاملة (177 يومًا)، وهو ما أثبتته دراسة علم الأجنة مؤخرًا، وسبق القرآن بالإشارة إلى هذه الحقيقة العلمية. ومما يحتمله النص القرآني أيضًا أن فطام الوليد يمكن أن يتم في فترة تتراوح بين (21-23) شهرًا.
من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
قال تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19]
فيها نهي عن رفع الصوت دون ضرورة، والدراسات الحديثة تؤكد أن الضوضاء صورة من صور تلوث البيئة، وأن هناك علاقة وثيقة بين الاستقرار البدني، والنفسي للكائن الحي، بل وللجمادات في وسط ما، وبين مستوى الضجيج السائد في ذلك الوسط؛ فالضوضاء الصاخبة تؤدي إلى خلل واضح في أنشطة وظائف الأجهزة المختلفة في جسم الإنسان.