
الأنفال سورة مدنية ماعدا الآيات من 30: 36 فمكية، هي من سور السبع الطوال، عدد آياتها 75 آية، هي السورة الثامنة في ترتيب المصحف، نزلت بعد سورة البقرة، تبدأ السورة بفعل مضارع، اهتمت السورة بأحكام الأسرى والغنائم ونزلت بعد غزوة بدر، وهي في الجزء”9″ الحزب “18” الربع “1,2”، وفي الدرس الأول هذا تحدثت الآيات هذه عن السؤال عن حكم قسمة الغنيمة وبيان أوصاف المؤمنين وكراهية بعض المؤمنين القتال وذلك من الآية 1 وحتى الـ8
أولاً/ أهداف الدرس في سورة الأنفال
تهدف الآيات الأولى في سورة الأنفال إلى مايلي:
- عرضت حقيقة الخلاف بين الصحابة بشأن الغنيمة في بدر وبيان حكم الله فيها.
- بيان ما حدث من الصحابة من كراهية القتال في بدر ودفعهم ذلك رغم كراهيتهم له.
ثانياً/ التفسير والبيان في سورة الأنفال
- (1) (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ) أي عن الغنائم وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً بقتال.
جمع نَفَل وأصله الزيادة تقول: نَفَلتك وأنفلتك أي زدتك وسميت أنفالاً لأنها زيادة خص الله تعالى بها هذه الأمة إذ كانت محرمة على من قبلهم من الأمم، سأل بعض أهل بدر النبي (ص) عن حكمها حين تنازعوا في قسمتها فنزلت الآية باختصاص حكمها بالله ورسوله يقسمها الرسول (ص) كما أمر الله تعالى فقسمها بينهم على السواء (لِلّهِ وَالرَّسُولِ) مفوض إليهما أمرها (وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) بعد أن أمرهم الله تعالى بالتقوى وامتثال أمره وأمر رسوله (ص) أمرهم بإصلاح ذات البين (ذَاتِ) كلمة بمعنى صاحبة ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر كذات الصدور وذات الشوكة والبين: يطلق على الوصلة والفرقة أي راعوا احوالاً تحقق اتصالكم وهي ما يقتضيه كمال الإيمان من المودة والمصافاة فاحرصوا عليها أو راعوا أحولاً توجب فرقتكم فاجتنبوها ثم وصف كاملي الإيمان بالصفات الست الآتية ترغيباً للسائلين في الاتصاف بها. - (2) (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) خافت وفزعت استعظاماً لجلاله وحذراً من عقابه والوجل استشعار الخوف يقال وجل وجلاً فهو وجل إذا خاف (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) زادتهم تلاوتها تصديقاً ويقيناً والتصديق لا شك في تفاوته للفرق الظاهر بين تصديق الأنبياء وآحاد الناس ولتفاوت مراتب اليقين إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين .
(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون) يعتمدون فيفوضون أمورهم كلها إليه تعالى وحده فلا يرجون غيره ولا يطلبون إلا منه ولا يرغبون إلا إليه. - (3) (يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ) يعدلون أركانها ويوفون شرائطها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها من إقام العود إقامه إذا أزال عوجه كقومه.
- (4) (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) أولئك المتصفون بهذه الصفات الجامعون بين الإيمان والعمل هم المؤمنون إيماناً حقاً أي ثابتاً صدقاً وهو الإيمان الكامل.
- (5) (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ) أي حال بعض أهل بدر في كراهة قسمة الغنيمة بالسوية مثل حال بعضهم في كراهة الخروج للقتال مع ما في هذه القسمة والقتال من الخير فالكاف بمعنى مثل خبر لمبتدأ محذوف وهو المشبه والمذكور هو المشبه به ووجه الشبه مطلق الكراهية وما ترتب على كل من المكروهين من الخير للمؤمنين وقد وقعت في هذه الغزوة كرهتان بحكم الطبيعة البشرية أعقبها إذعان وتسليم ورضى من الصحابة رضوان الله عليهم الأولى كراهية شبّان أهل بدر قسمة الغنيمة بالسوية وكانوا يحبون الاستئثار بها لأنهم هم الذين باشروا القتال دون الشيوخ الذين كانوا معهم في الغزوة مع أنهم كانوا ردءاً لهم فكان الأمر بالقسمة بالسوية خير للمؤمنين إذ أصلح الله بينهم وردهم إلى حالة الرضا والصفا والثانية كراهية بعض أهل بدر قتال قريش بعد نجاة العير التي خرجوا لأجلها لخروجهم من غير استعداد للقتال لا بعُدد ولا عدد فكان الأمر بالقتال الذي أمروا به عزة للإسلام وخضد شوكة الكفر والطغيان وفي هذه الآية تنبيه بأن الخير فيما قدره الله لا فيما يظنون.
(6) (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ) أي يجادلونك في أمر القتال بقولهم: ما كان خروجنا إلا للعير دون تأهب للقتال (بَعْدَمَا تَبَيَّنَ) الحق بإعلامك أنهم ينصرون أينما توجهوا وقد أخبرهم الرسول (ص) قبل نجاة العير بأن الله وعدهم الظفر بإحدى الطائفتين العير أو النفير فلما نجت العير علم أن الظفر الموعود به إنما هو على النفير ، العير: الأبل الحاملة لأموالهم الآتية من الشام إلى مكة، والنفير: المشركون الذين استفزهم أبوا سفيان للقتال دون العير والطائفة من الناس الجماعة منهم ومن الشيء القطعة منه. - (7) (ذَاتِ الشَّوْكَةِ) أي السلاح أو الشدة أو القوة وذات الشوكة هي النفير وقد أحبوا أن تكون لهم طائفة العير دون طائفة النفير التي فيها القتال بالسلاح ولكن الله أراد لهم وللإسلام ما هو خير فمكنهم من أعدائهم وأعز الإسلام بنصرهم .
(وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين) أي آخرهم الذي يدبرهم والدابر التابع من خلف يقال دبر القوم يدبرهم دبوراً إذا كان آخرهم بالمجيء والمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب استئصالاً وقد هلك في هذه الغزوة صناديد قريش وعصابة المستهزئين وهم أئمة الكفر في مكة. - (9)(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) تطلبون منه القوة والنصر على عدوكم والغوث التخليص من الشدة فأجاب دعائكم بأنه مرسل إليكم مدداً ألفا من الملائكة (مُرْدِفِين) متتابعين بعضهم في إثر بعض يقال أردفته وردفته بمعنى تبعته وقد قاتلت الملائكة في بدر على الصحيح ولم تقاتل في غيرها وإنما كانت تنزل لتكثر عدد المسلمين والعدد من الملائكة ألف أول مرة كما ذكرت الآية ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال تعالى (أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِين) أي يكفيكم ذلك ولذا قال (بَلَى) ثم صاروا خمسة آلاف لقوله تعالى (إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِين) وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استفزهم أبوا سفيان لإنقاذ العير فكان المدد خمسة الاف كما روي عن قتادة.
ثالثاً الكلمات التي وردت في القرآن الكريم لأكثر من وجه
(كره) وردت على (4) أوجه
- الوجه الأول: وردت بمعنى المشقة قال تعالى (وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون).
- الوجه الثاني: وردت بمعنى الاختيار قال تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).
- الوجه الثالث: وردت بمعنى كراهة الإرادة قال تعالى (وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ…).
- الوجه الرابع: وردت بمعنى عدم القبول قال تعالى (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ…).
رابعاً أسباب النزول
- سبب نزول الآية (1) قال الجصاص: الصحيح أنه لم يتقدم من النبي صلى الله عليه وسلم قول في الغنائم قبل القتال، فلما فرغوا من القتال تنازعوا في الغنائم فأنزل الله (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ…) فجعل أمرها إلى النبي (ص) في أن يجعلها لمن شاء فقسمها بينهم على السواء.
- سبب نزول الآية (5) أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا؟ فخرجنا وسرنا يوماً أو يومين فقال: ما ترون فيهم؟ فقلنا يا رسول الله مالنا من طاقة بقتال القوم إنما خرجنا للعير فقال المقداد لا تقولوا كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هؤلاء قاعدون فأنزل الله الآية.
خامساً/ وقفات مع الآيات
- الوقفة الأولى: بعض صفات الإيمان:
- الإعتقاد بوحدانية الله سبحانه وتعالى
- الإستجابة الوجدانية لذكره
- التأثر القلبي بآياته
- التوكل عليه وحده قال سعيد بن جبير (التوكل جماع الإيمان)
- إقامة الصلاة له وحده
- الإنفاق من رزقه
- حقيقة الإيمان (حديث حارثة)
- الوقفة الثانية: تذكير الله للمؤمنين بالنعم التي أنعم بها عليهم في غزوة بدر
- النصر المبين مع قلة الرجال والعتاد
- تثبيتهم بإمدادهم بالملائكة والمطر والنعاس
- انزال الرعب في قلوب الأعداء
- الوقفة الثالثة: التربية بالأحداث
- التربية على تقبل حكم الله والاستسلام له وأن خالف المصلحة الشخصية
- تنفيذ الأمر وإن كان المأمور غير مستعد أو كاره
- حكم الله ورسوله في تقسيم الأنفال
- الأمر بالقتال في بدر مع أنهم كانوا يودون غير ذات الشوكة
- التربية على إسناد النصر لله سبحانه وليس للنفس البشرية حظ في ذلك
- (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى)
- (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ)
- التربية على سمو الهدف
- (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)
- التربية على السماحة والبعد عن الشح
- التربية العملية بخوض المعركة (التهيب قبل التنفيذ لا يزيله إلا الاقتحام)
- الوقفة الرابعة: من صفات المنافقين:
- عدم الإستجابة لله والرسول (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُون)
- الفرار من المعركة (فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار)
- الوقفة الخامسة: من مظاهر التقوى
- إصلاح ذات البين
- طاعة الله ورسوله
- الوقفة السادسة: إن معركة بدر تقرر دستور النصر والهزيمة.
- الوقفة السابعة: أن التقوى ذكر في القرآن (227) آية.
سادساً/ الأحكام المستنبطة من الآيات:
- الحكم الأول: وجوب الإعتقاد بأن مصدر الأحكام هو كتاب الله وسنة رسوله (ص).
- الحكم الثاني: وجوب الالتزام بأحكام الله بإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله وبالخروج للقتال.